بقدر ما يرتبط بضمير الجماعة التي تؤلّف ميدان هذه الأنظمة والدساتير وتبرر وجودَها.
هذا، مع الاعتراف بأنّ الأنظمة الاجتماعية الحديثة تتفاوت تفاوتاً عظيماً في سماحها للقيّمين عليها بمسايرتها أو بالخروج عليها.
وذلك بحكم طبيعتها وبنسبة ما تحويه أصولها من إمكانات التنفيذ.
أمّا الأنظمة والدساتير القديمة، فقد كانت أكثر تأثُّراً بأخلاق القيّمين عليها المشرفين على إقامة ما تقتضيه من حدود.
ولذلك أسبابٌ ليست من موضوع حديثنا هذا.
وبالرغم من أنّ الأنظمة والتشريعات الصالحة من شأنها أن توجّه الناس وتفرض عليهم ما يؤدي إلى نفعهم فرضاً، فإنّ هذا التوجيه وهذا الفرض يظلاّن خارج حدود القيمة الإنسانية إن لم يوافقهما العملُ النابع من الوجدان بالذات.
وفي مذهبنا أنّ كلّ عملٍ يأتيه الإنسان لابدّ أنه فاقدٌ الدفء الإنساني، وهو أثمنُ وأعظم ما يوافق الصنيعَ الإنساني، إن لم يحمل وهجَ الضمير وعبقَ النفس وإرادة العطاء على غير قسْرٍ وإكراه.
ولا تنجح الأنظمة والتشريعات في إقامة العلاقات الإنسانية إلاّ بمقدار ما يمكنها أنْ تتوجّه إلى العقل والضمير فتقنعهما بالخير، فتخلق الانسجام الرائع بين إتاحة الفرصة للعمل النافع وإرادة العامل في وحدةٍ تكفل للفرد وللجماعة الصعودَ في طريق الحضارة.
وما يصدقُ، بهذا الصدَد، في نطاق الأفراد والجماعات، يصدُق كذلك في تاريخ المفكّرين والمشترعين والعلماء والمكتشفين ومَن إليهم.
فإنك لترى، إذا أنتَ استعرضتَ تاريخ هؤلاء الذين خدموا الإنسان والحضارة، أنّ العقل الذي دَلّهم
نهج البلاغة