على الطريق الصحيح في كلّ ميدان، لم يكن وحده في تاريخهم.
فالعقل بارد، جافّ، لا يتعرف إلاّ إلى الأرقام والأقسام والوجوه ذات الحدود.
فهو لذلك يدلّك على الطريق ولكنّه لا يشدّك إلى سلوكه ولا يدفعك في سهله ووعره.
أما الدافع، فالضمير السليم والعاطفة الحارة.
فما الذي حمل ماركوني على العزلة القاسية والانفراد الموحش الكئيب، إن لم يكن الضمير الذي يحسّن له الانصراف عن مباهج الحياة إلى كآبة الوحدة في سبيل الحضارة والإنسان؟
وإن لم يكن العاطفة التي تغمر هذا الضميرَ السليم بالحرارة والدفء فلا يفترُ أبداً.
وما يقال في ماركوني يقال في باستور، وغاليليو، وغاندي، وبتهوفن، وبوذا، وأفلاطون، وغيتي، وفي غيرهم من أصحاب المركّب الإنساني القريب من الكمال.
والدليل الإيجابي على هذه الحقيقة يستتبع دليلاً سلبياً لزيادة الإيضاح.
فهذا ادولف هتلر، وجانكيزخان، وهولاكو، والحجاج بن يوسف الثقفي، وقيصر بورجيا بطل كتاب (الأمير) المشؤوم لمكيافيللي، وبعض علماء الذرة المعاصرين الذين يوافقون على تجربتها على الآدميين، ألم يتميز هؤلاء جميعاً بعقول واسعة ومدارك قد تهون أمامها مدارك الآخرين؟
ومع ذلك، فما كان من شأنهم إلا التقتيل والتدمير والاعتداء على مقدسات الحضارة ومخلّفات الجهود الإنسانية، وعلى كرامة الحياة والأحياء وخير الوجود!
ذلك أن عقولهم لم تواكبها الضمائر السليمة والعواطف الكريمة!
فحيث لا ضمير ولا عاطفة، لا نفع من العقل، بل قل إنه إلى المضرّة أقرب.
نهج البلاغة