وذلك بأن يماشوا قوانين الحياة.
ويستطيعون أن يكونوا أسياد مصائرهم وذلك بأن يخضعوا لعبقريّة الحياة.
وقد سبق أنْ قلنا في حديثٍ مضى إنّ ثوريّة الحياة ألصقُ مزايا الحياة بها وأعظمها دلالةً على إمكاناتها العظيمة.
وهي تستلزم من المؤمنين بها أن يعملوا على أساسٍ من الثقة المطلقة بالتطوّر المحتوم، وأن ينبّهوا الخواطر إليه، وأن يستخدموا الدليلَ والبرهان في زجْر المحافظين عن كلّ تصرّفٍ غبيٍّ يتوهّم أصحابه أنّهم يستطيعون الوقوف في وجه الحياة الثائرة المتطوّرة بثورتها.
بهذه الثقة وبهذا الإيمان خاطب ابن أبي طالب الإنسانَ بقوله: (فإنك أوّلَ ما خُلقتَ جاهلاً ثمّ عُلِّمتَ، وما أكثر ما تجهلُ من الأمر، ويتحيّر فيه رأيك، ويضِلّ فيه بصرُك، ثم تُبصره بعد ذلك!) ففي هذا القول اعترافٌ بأنّ الحياة متطوّرة، وأنّ التعلّم إنّما هو الانتفاع بما تخزن الحياة من عبقريتها في صدور أبنائها، على ما قلنا سابقاً.
وفيه إيمانٌ بالقابلية الإنسانية العظيمة للتقدّم، أو قُل للخير.
وما دعوته الحارّة إلى المعرفة التي تكشف كلّ يومٍ عن جديد، وتبني كلّ يومٍ جديداً، إلاّ دليلٌ عن الإيمان بثوريّة الحياة الخيّرة وإمكانات الأحياء.
فالمعرفة لديه كشفٌ وفتحٌ لا يهدآن.
وهو بهذا الإيمان وهذه الثقة يخاطب أبناء زمانه يقول: (لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم، فإنّهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم).
فلولا تفاؤله العظيم بأنّ في الحياة جمالاً، وبأنّ في الناس قابليّة التطوّر إلى الخير، لَما أطلق هذا
نهج البلاغة