الأستاذ العشماوي أستاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة: إن كلاماً غيره في أي دستور من دساتير العالم لم يفصل مهمة القضاة وطرق اختيارهم مثل ما فعل.
قال الإمام:
(ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلل ولا يحصر في الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بإدغامهم دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، من لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك قليل، ثمّ أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتياب الرجال له عندك).
وهذا دستور حكيم بل هو أحكم ما نعرفه وحسبه أنه انتبه إلى وجوب إجزال العطاء المالي للقضاة ليستغنوا بذلك عن الارتشاء، وأنه شدد في إعطائهم منزلة قريبة من الوالي ليقطع بذلك الطريق على الوشاة وليعمل القضاء في جو هادئ.
وفي غير هذه الرسالة ذم من يتصدى للحكم وليس أهلاً له قائلاً: (جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثمّ قطع به، جاهل خباط جهالات عاش ركاب عشوات، تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث إلى الله).
وفي موضع آخر يقول: (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله
نهج البلاغة