أمره ويبيته في فراشه ليلة هجرته متعارضاً لأذى المشركين الراصدين للرسول وإن يخوض غمار الحرب في كل غزواته ـ إلا واحد ـ ثم هو يقضي طول خلافته مذّ بويع إلى أن قُتل ـ أربع سنين وتسعة أشهر ـ في شجار ونضال وجلاد وكفاح تارة مع عائشة ومناصريها وأخرى مع معاوية وأشياعه ثم يبتلي بخلاف أصحابه عليه ويعاني من اختلاف مشاربهم وتباين أهوائهم وغريب شذوذهم وتحكمهم واعتسافهم ما يضيق عنه صدر الحليم ويند معه صبر الصبور. كل أولئك التجاريب والظروف قد حنكته وصفت من جوهر عقله وثقفت من حديد ذهنه وأمدته بفيض زاخر من الحكم الثاقبة والآراء الناضجة، وما العقل إلى التجربة والاختبار؟! وأخالك تذكر ما قدمناه لك آنفاً من أنه كان معروفاً بين الصحابة بأصالة الرأي وسداد الفكر، فكان بعض الخلفاء يفزع إلى مشورته إذا حز به أمر فيجيد الحز ويطبق الفصل. ولم يكن بالرجل الخامل الغمر بل كان من سادة القوم وعليتهم، وكان كل ما يجري من الشؤون السياسية في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعهد الخلفاء السابقين له بمرأى منه ومسمع بل كان له في بعضها ضلع قوية وشأن خطير؛ هذا المران السياسي الطويل العهد ـ وهو خمس وثلاثون سنة من بدء الهجرة عدا ما تقدمها ـ أفاده شحذا في الذهن وثقوبا في الفكر فليس بمستنكر على مثل علي أن يكون حكيماً ـ انتهى كلامه. وأما جوابنا عنها: فهو أن المتأخر أخذ عن المتقدم لأن المتأخر نسب إلى المتقدم، وبيان ذلك: إن علماء الإسلام المتأخرين إنما توسعوا في علومهم بعد
نهج البلاغة