للإمام يصف سكان القبور: (جيران لا يتآنسون وأحباء لا يتزاورون..
أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً..
بليت بينهم عرى التعارف وانقطعت منهم أسباب الأخلاق..
فكلهم وحيد..
وهم جميع، وبجانب الهجر..
وهم أخلاء..).
إنها وقفة ذاهلة كئيبة لا تدانيها سوى وقفة أبي العلاء أمام القبر وتزاحم الأضداد فيه..
وقفة كان لا ينقصها - في خضم التجربة - سوى دم علي يسفحه سيف خارجي جبان..
ثم يثوي الشهيد بين أحبائه هؤلاء ظاعناً مثلهم في سرمدية الجديدين..
وهكذا يفعل ابنه الحسين..
فتنطلق حنجرة حكيم المعرة بهذا الهتاف الحزين.
وعلى الأفق من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان فهما في أواخر الليل فجران وفي أولياته شفقان ي - وما الأصالة الفنية العميقة التي يتميز بها كبار الأدباء، وما إحساسهم العميق بوحدة الوجود وشوقهم المتيم إلى اكتناه الروابط الخفية الكامنة وراء مظاهر الحياة والموت..
وما نزعتهم الإيمانية التوحيدية الجامحة: نزعة الفنان الكبير الذي يريد أن يعمق الوجود في قلبه وعقله وكل كيانه..
ما هذا كله سوى غاية من غايات ابن أبي طالب وصفة من صفاته، وسمة من سمات فكره الحكيم وأدبه الخالد..
ولا تنسى أنه بهذا يتقدم الخالدين من الأدباء العالميين ويتوسط صفوة الحكماء والفلاسفة..
يتقدمهم توثباً نحو معانقة الجمال الإلهي والعظمة الكونية والرحمانية الإنسانية..
في هتاف دائم ونجوى مستمرة وفكر زاخر بالقيم وخيال موار بالرؤى..
نهج البلاغة