بحقيقة حسن الخلق من خلال شرحه لحال العارف المطلق الذي خصه الله بألطاف بحيث تصدر عنه الأفعال بالفطرة ومن غير فكر وروية تتأكد بالممارسة العملية الصادقة.
من ذلك قوله: (عباد الله، إن من أحب عباد الله إليه، عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعد القرى ليومه النازل به فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشديد، نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده، فشرب نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشهوات وتخلى عن الهموم إلا هماً واحداً انفرد به.
فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، وقد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبل بأمتنها.
فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور، من إصدار كل وارد عليه، وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه.
قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه.
يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمها، ولا مضنة إلا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله).
هذا النص يفسر حقيقة حسن الخلق بكونه لطفاً إلهياً أمد الله به أخلص عباده إليه، يختار عنده الحسن ويتجنب القبيح من غير روية وإعمال فكر.
ولقد حدد
نهج البلاغة