لإنسان على إنسان، جعل الإمام (عليه السلام) يلتزم الحياد فلا ينحاز إلى جانب دون الآخر بل هو يساوي بينهما في المعاملة حتى يصدر الحكم عن نزاهة وصدق فيقول (عليه السلام) للأشتر: (فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك بهم).
هذا الاهتمام الذي يوليه (عليه السلام) لهذه القاعدة دفعته إلى أن يكون أكثر تشدداً وصرامة في تطبيقها حتى على نفسه في عصر كان القانون بخدمة الحاكم وضد مصالح المحكوم فصار الحاكم ليس بفوق أن يمثل أمام القضاء مع أي إنسان آخر، وأن يقبل الحكم له كما يقول في نهجه: (وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد).
ومبدأ المساواة أمام القانون يفترض الاعتراف بحرية القاضي المطلقة في أن يحكم بموجب القانون والضمير بعيداً عن الضغط والهوى، كي يكسب القضاة حصانة تمكنهم من الحكم بالعدل، ولتأكيد ذلك، أوجد الإمام (عليه السلام) ـ كما في عهد الأشتر ـ جهازاً للشرطة كي يكون عوناً للقانون وللقاضي في البحث عن أهل الريبة واعتقالهم ومعاقبتهم ولم يسبقه في ذلك إلا نظام (العسس) (الذي أوجده عمر بن الخطاب، وهو الطواف ليلاً للبحث عن المنحرفين).
إن الحديث عن طبائع البشر وعن حقيقة التعامل بينهم، بتسخير أنفسهم وضمائرهم ومحاولة سيطرة الأقوياء منهم على الضعفاء، أمور انطلق منها (عليه السلام) للكشف عن حقيقتين تساعدان على انحراف القضاة:
نهج البلاغة