نزل الناس هناك.
وصاروا يستظلون عن أشعة الشمس برواحلهم وربما كان الرجل منهم يجمع ثيابه تحت قدميه يقي بها حر الصفا اللاذعة.
لماذا أمر النبي بحط الرحال في ذلك المحل ـ لأنه مفرق الطرق ولئلا يتفرق الحاج.
صعد صلى الله عليه وآله وسلم على الصخور والأحجار والاحداج التي أمر بجمعها وقام خطيباً وأمر الناس ان يبلغ الشاهد منهم الغائب.
والناس كلهم آذان صاغية حتى انتهى في خطبته الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم فصاحوا اللهم نعم.
قال:
من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث ما دار إلى آخر خطبته.
نعم وعى المسلمون هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهدوا مشاهده المعجبة ومواقفه الجليلة من تفانيه دون الدين وجهده العظيم ومنازلته الأقران من اليهود ومشركي قريش في عهد الرسالة، وصبره وتسليمه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لئلا ينكص الناس على الأعقاب وعقائد الجاهلية وعاداتها بعد راسخة في أذهانهم، وهكذا شاهد المسلمون علياً عليه السلام ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاء اليوم الذي انثالوا عليه كعرف الضبع للبيعة، وبايع المهاجرون والأنصار في ذلك اليوم بالمدينة علياً عليه السلام ولم يتخلف عن بيعته كما تخلف عن من قبله أحد.
ظن المسلمون عندما بويع علي عليه السلام انهم تخلصوا من الفتن والأراجيف التي كانت من قبل، ولكنهم ما كانوا يحلمون بأن طلحة والزبير ينكثا البيعة يوماً ما، لحطام الدنيا الدنية، ويثيراها حرباً دامية ـ بالبصرة ـ وكان النصر لعلي على اعدائه، وهناك نعر معاوية بالشام معلناً حربه على خليفة المسلمين فكانت الواقعة بصفين اعظم منها بالبصرة، وكاد معاوية أن يستسلم لعلي في صبيحة ليلة الهرير لولا مكيدة عمرو بن العاص، وإشارته برفع المصاحف على الرماح، ومن هناك بدأت الفتنة على ما ذكره المؤرخون فتنة ـ الخوارج ـ.
كتاب وَقعَة النَهرَوانْ أو الخَوارج ص1 ـ 33