علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام): «أن بني إسرائيل من بعد موسى (عليه السلام) عملوا بالمعاصي، و غيروا دين الله، و عتوا عن أمر ربهم، و كان فيهم نبي يأمرهم و ينهاهم فلم يطيعوه، و روي أنه إرميا النبي (عليه السلام)، فسلط الله عليهم جالوت، و هو من القبط، فأذلهم، و قتل رجالهم، و أخرجهم من ديارهم و أموالهم، و استعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم، و قالوا: سل الله ان يبعث لنا ملكا، نقاتل في سبيل الله. و كانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، و الملك و السلطان في بيت آخر، لم يجمع الله تعالى لهم النبوة و الملك في بيت واحد، فمن ذلك قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله. فقال لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ أَلاََّ تُقََاتِلُوا قََالُوا وَ مََا لَنََا أَلاََّ نُقََاتِلَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنََا مِنْ دِيََارِنََا وَ أَبْنََائِنََا﴾ و كان كما قال الله: ﴿فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ تَوَلَّوْا إِلاََّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ﴾. فقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اَللََّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طََالُوتَ مَلِكاً﴾. فغضبوا من ذلك: و قالوا: ﴿أَنََّى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنََا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمََالِ﴾ و كانت النبوة في ولد لاوي، و الملك في ولد يوسف، و كان طالوت من ولد بنيامين أخي يوسف لامه، لم يكن من بيت النبوة، و لا من بيت المملكة. فقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاهُ عَلَيْكُمْ وَ زََادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ وَ اَللََّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ و كان أعظمهم جسما، و كان شجاعا قويا، و كان أعلمهم، إلا أنه كان فقيرا، فعابوه بالفقر، فقالوا: لم يؤت سعة من المال، ﴿وَ قََالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلتََّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمََّا تَرَكَ آلُ مُوسىََ وَ آلُ هََارُونَ تَحْمِلُهُ اَلْمَلاََئِكَةُ﴾. و كان التابوت الذي أنزل الله على موسى، فوضعته فيه امه و ألقته في اليم، فكان في بني إسرائيل معظما، يتبركون به، فلما حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح، و درعه، و ما كان عنده من آيات النبوة، و أودعه يوشع وصيه، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، و كان الصبيان يلعبون به في الطرقات. فلم يزل بنو إسرائيل في عز و شرف ما دام التابوت عندهم، فلما عملوا بالمعاصي، و استخفوا بالتابوت، رفعه الله عنهم، فلما سألوا النبي بعث الله تعالى طالوت عليهم ملكا، يقاتل معهم، فرد الله عليهم التابوت؛ كما قال:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الأول · سورة البقرة