القصة: علي بن إبراهيم، قال: و كان سبب غزوة احد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة، و قد أصابهم ما أصابهم من القتل و الأسر لأنه قتل منهم سبعون و أسر منهم سبعون، فلما رجعوا إلى مكة، قال أبو سفيان: يا معشر قريش، لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم، فإن البكاء و الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن و الحرقة و العداوة لمحمد، و يشمت بنا محمد و أصحابه. فلما غزوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم احد أذنوا لنسائهم بعد ذلك في البكاء و النوح. فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة و غيرها، فجمعوا الجموع و السلاح و خرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس و ألفي راجل، و أخرجوا معهم النساء يذكرنهم و يحثنهم على حرب رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و أخرج أبو سفيان هند بنت عتبة، و خرجت معهم عمره بنت علقمة الحارثية. فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك جمع أصحابه و أخبرهم أن الله قد أخبره أن قريشا قد تجمعت تريد المدينة، و حث أصحابه على الجهاد و الخروج، فقال عبد الله بن أبي و قومه: يا رسول الله، لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف و المرأة و العبد و الأمة على أفواه السكك و على السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا و دورنا، و ما خرجنا إلى أعدائنا قط إلا كان لهم الظفر علينا. فقام سعد بن معاذ (رحمه الله) و غيره من الأوس، فقالوا: يا رسول الله، ما طمع فينا أحد من العرب و نحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يطمعون فينا و أنت فينا؟!لا، حتى نخرج إليهم فنقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيدا، و من نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله. فقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوله، و خرج مع نفر من أصحابه يبتغون موضعا للقتال، كما قال الله، ﴿وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ﴾ يعني عبد الله بن أبي و أصحابه، فضرب رسول الله (صلى الله عليه و آله) معسكره مما يلي طريق العراق، و قعد عنه عبد الله بن أبي و قومه و جماعة من الخزرج اتبعوا رأيه، و وافت قريش إلى أحد، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عد أصحابه، و كانوا سبعمائة رجل، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب و أشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعبد الله بن جبير و أصحابه: «إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تخرجوا من هذا المكان، و إن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا، و الزموا مراكزكم». و وضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا، و قال لهم: إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم. فلما أقبلت الخيل و اصطفوا، و عبأ رسول الله (صلى الله عليه و آله) أصحابه، و دفع الراية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فحملت الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، و وقع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سوادهم، و انحط خالد بن الوليد في مائتي فارس، فلقي عبد الله بن جبير، فاستقبلوهم بالسهام فرجعوا، و نظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ينهبون سواد القوم، فقالوا لعبد الله بن جبير: تقيمنا هاهنا و قد غنم أصحابنا و نبقى نحن بلا غنيمة!فقال لهم عبد الله: اتقوا الله، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، و أقبل ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، و بقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا، و قد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العدوي من بني عبد الدار، فبرز و نادى: يا محمد، تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار، و نجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إلي. فبرز إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يقول: يا طلح إن كنت كما تقول # لكم خيول و لنا نصول فاثبت لننظر أينا المقتول # و أينا أولى بما تقول فقد أتاك الأسد الصؤول # بصارم ليس به فلول ينصره القاهر و الرسول فقال طلحة: من أنت، يا غلام؟قال: «أنا علي بن أبي طالب». قال: قد علمت-يا قضيم -أن لا يجسر علي أحد غيرك. فشد عليه طلحة فضربه، فاتقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجحفة، ثم ضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على فخذيه فقطعهما جميعا، فسقط على ظهره و سقطت الراية، فذهب علي (عليه السلام) ليجهز عليه فحلفه بالرحم فانصرف عنه. فقال المسلمون: ألا أجهزت عليه!قال (عليه السلام): «قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا». ثم أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة: فقتله علي (عليه السلام) و سقطت رايته إلى الأرض، فأخذها عثمان بن أبي طلحة، فقتله علي (عليه السلام) و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذها مسافع بن أبي طلحة، فقتله علي (عليه السلام) و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذها الحارث بن أبي طلحة، فقتله علي (عليه السلام) و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذها أبو عزيز بن عثمان، فقتله علي (عليه السلام) و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذها عبد الله بن جميلة بن زهير، فقتله علي (عليه السلام) و سقطت الراية إلى الأرض. فقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) التاسع من بني عبد الدار و هو أرطاة بن شرحبيل مبارزة، فسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها مولاهم صؤاب، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على يمينه فقطعها، و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذها بشماله فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على شماله فقطعها، و سقطت الراية إلى الأرض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثم قال: يا بني عبد الدار، هل أعذرت فيما بيني و بينكم؟فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) على رأسه فقتله، و سقطت الراية إلى الأرض، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية، فقبضتها. و انحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير، و قد فر أصحابه و بقي في نفر قليل، فقتلوهم على باب الشعب، فاستعقبوا المسلمين فوضعوا فيهم السيف، و نظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلا ذوا بها، و أقبل خالد بن الوليد على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقتلهم، فانهزم أصحاب رسول الله هزيمة قبيحة، و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كل وجه، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الهزيمة كشف البيضة عن رأسه، و قال: «إني أنا رسول الله، إلى أين تفرون عن الله و عن رسوله» ؟.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الأول · سورة آل عمران