علي بن إبراهيم، قال: و تآمرت قريش على أن يرجعوا و يغيروا على المدينة، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «أي رجل يأتينا بخبر القوم» فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا آتيك بخبرهم» قال: «اذهب، فإن كانوا ركبوا الخيل و جنبوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، و الله لئن أرادوا المدينة لأنازلن الله فيهم، و إن كانوا ركبوا الإبل و جنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة». فمضى أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما به من الألم و الجراحات حتى كان قريبا من القوم، فرآهم قد ركبوا الإبل و جنبوا الخيل، فرجع أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «أرادوا مكة». فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة نزل عليه جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم و لا يخرج معك إلا من كانت به جراحة. فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين و الأنصار، من كانت به جراحة فليخرج، و من لم يكن به جراحة فليقم. فأقبلوا يضمدون جراحاتهم و يداوونها، فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه و آله): ﴿وَ لاََ تَهِنُوا فِي اِبْتِغََاءِ اَلْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمََا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ يَرْجُونَ﴾ و هذه الآية في سورة النساء، و يجب أن تكون في هذه السورة. قال الله عز و جل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ﴾ فخرجوا على ما بهم من الألم و الجراح، فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) بحمراء الأسد، و قريش قد نزلت الروحاء، قال عكرمة بن أبي جهل، و الحارث بن هشام، و عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد: نرجع فنغير على المدينة، فقد قتلنا سراتهم و كبشهم -يعنون حمزة-فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر، فقال: تركت محمدا و أصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم أجد الطلب. فقال أبو سفيان: هكذا النكد و البغي، قد ظفرنا بالقوم و بغينا، و الله ما أفلح قوم قط بغوا. فوافاهم نعيم بن مسعود الأشجعي، فقال أبو سفيان: أين تريد؟قال: المدينة، لأمتار لأهلي طعاما. قال: هل لك أن تمر بحمراء الأسد و تلقى أصحاب محمد و تعلمهم أن حلفاءنا و موالينا قد وافونا من الأحابيش حتى يرجعوا عنا، و لك عندي عشرة قلائص أملأها تمرا و زبيبا؟قال: نعم. فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الأسد، فقال لأصحاب محمد (صلى الله عليه و آله): أين تريدون؟قالوا: قريش. قال: ارجعوا، فإن قريشا قد اجتمع إليهم حلفاؤهم، و من كان تخلف عنهم، و ما أظن إلا و أوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة. فقالوا: حسبنا الله و نعم الوكيل، ما نبالي أن يطلعوا علينا. فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: ارجع-يا محمد-فإن الله قد أرعب قريشا، و مروا لا يلوون على شيء. فرجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المدينة فأنزل الله: ﴿اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مََا أَصََابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ﴾ يعني نعيم بن مسعود، فهذا لفظه عام و معناه خاص ﴿إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوََانَ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. فلما دخلوا المدينة، قال أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما هذا الذي أصابنا، و لقد كنت تعدنا النصر؟ فأنزل الله: ﴿أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ و ذلك أن يوم بدر قتل من قريش سبعون، و أسر منهم سبعون، و كان الحكم في الأسارى القتل، فقامت الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقالوا: يا رسول الله، هبهم لنا، و لا تقتلهم حتى نفاديهم. فنزل به جبرئيل، و قال: إن الله قد أباح لهم الفداء، أن يأخذوا من هؤلاء و يطلقوهم، على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذون منه الفداء من هؤلاء. فأخبرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهذا الشرط، فقالوا: قد رضينا به، نأخذ العام الفداء من هؤلاء و نتقوى به، و يقتل منا في عام قابل بعدد ما نأخذ منه الفداء و ندخل الجنة، فأخذوا منهم الفداء و أطلقوهم. فلما كان في هذا اليوم-و هو يوم احد-قتل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبعون، فقالوا: يا رسول الله، ما هذا الذي قد أصابنا، و قد كنت تعدنا النصر؟فأنزل الله: ﴿أَ وَ لَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بما اشترطتم يوم بدر.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الأول — ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ[140]﴾ · سورة آل عمران