العياشي: عن مروان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ذكر النصارى و عداوتهم، فقال: قول الله: ﴿ذََلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبََاناً وَ أَنَّهُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال: «أولئك كانوا قوما بين عيسى و محمد (عليهما السلام)، ينتظرون مجيء محمد (صلى الله عليه و آله)». 3246/ -علي بن إبراهيم: إنه كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة، أمرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يخرجوا إلى الحبشة، و أمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم، فخرج جعفر، و معه سبعون رجلا من المسلمين، حتى ركبوا البحر. فلما بلغ قريشا خروجهم بعثوا عمرو بن العاص، و عمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردهم إليهم، و كان عمرو و عمارة متعاديين، فقالت قريش: كيف نبعث رجلين متعاديين؟فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة و برئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة، و كان حسن الوجه، شابا مترفا، فأخرج عمرو بن العاص أهله معه، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبلني. فقال عمرو: أ يجوز هذا، سبحان الله؟!فسكت عمارة، فلما انتشى عمرو، و كان على صدر السفينة، دفعه عمارة، و ألقاه في البحر، فتشبث عمرو بصدر السفينة، و أدركوه، فأخرجوه، فوردوا على النجاشي، و قد كانوا حملوا إليه هدايا، فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إن قوما منا خالفونا في ديننا، و سبوا آلهتنا، و صاروا إليك، فردهم إلينا. فبعث النجاشي إلى جعفر، فجاءه، فقال: يا جعفر ما يقول هؤلاء؟فقال جعفر (رضي الله عنه): أيها الملك، و ما يقولون؟قال: يسألون أن أردكم إليهم. قال: أيها الملك، سلهم: أ عبيد نحن لهم؟فقال عمرو: لا، بل أحرار كرام. قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟قال: لا، ما لنا عليكم ديون. قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟قال عمرو: لا. قال: فما تريدون منا؟آذيتمونا، فخرجنا من بلادكم. فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، خالفونا في ديننا، و سبوا آلهتنا، و أفسدوا شبابنا، و فرقوا جماعتنا، فردهم إلينا لنجمع أمرنا. فقال جعفر: نعم أيها الملك، خلقنا الله، ثم بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد، و ترك الاستقسام بالأزلام، و أمرنا بالصلاة و الزكاة، و حرم الظلم، و الجور، و سفك الدماء بغير حقها، و الزنا، و الربا، و الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و أمرنا بالعدل، و الإحسان، و إيتاء ذي القربى، و نهى عن الفحشاء، و المنكر، و البغي. فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم (عليه السلام). ثم قال النجاشي: يا جعفر، هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا؟قال: نعم. فقرأ عليه سورة مريم، فلما بلغ إلى قوله: ﴿وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً﴾ و لما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا، و قال: هذا و الله هو الحق. فقال عمرو بن العاص: أيها الملك، إنه مخالف لنا، فرده إلينا، فرفع النجاشي يده، فضرب بها وجه عمرو، ثم قال: اسكت، و الله لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك. فقام عمرو بن العاص من عنده، و الدماء تسيل على وجهه، و هو يقول: إن كان هذا كما تقول أيها الملك، فإنا لا نتعرض له. و كانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد، و كان فتى جميلا، فأحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك. فراسلها، فأجابته، فقال له عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا. فقال لها، فبعثت إليه، فأخذ عمرو من ذلك الطيب، و كان الذي فعل به عمارة في قلبه، حين ألقاه في البحر، فأدخل الطيب على النجاشي، فقال: أيها الملك، إن حرمة الملك عندنا، و طاعته علينا عظيمة، و يلزمنا إذا دخلنا بلاده، و نأمن فيها أن لا نغشه و لا نريبه، و إن صاحبي هذا الذي معي قد راسل إلى حرمتك، و خدعها، و بعثت إليه من طيبك. ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي، و هم بقتل عمارة، ثم قال: لا يجوز قتله، فإنهم دخلوا بلادي بأماني. فدعا النجاشي السحرة، فقال لهم: اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل. فأخذوه و نفخوا في إحليله الزئبق، فصار مع الوحش يغدو و يروح، و كان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك إليه، فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فأخذوه، فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح حتى مات. و رجع عمرو إلى قريش، و أخبرهم أن جعفرا في أرض الحبشة، في أكرم كرامة. فلم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قريشا، و صالحهم، و فتح خيبر، فوافى بجميع من معه، و ولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر، و ولد للنجاشي ابن فسماه محمدا. و كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان تحت عبد الله، فكتب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى النجاشي يخطب أم حبيبة، فبعث إليها النجاشي، فخطبها لرسول الله (صلى الله عليه و آله)، فأجابته، فزوجها منه، و أصدقها أربع مائة دينار، و ساقها عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و بعث إليها بثياب و طيب كثير، و جهزها، و بعثها إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و بعث إليه بمارية القبطية أم إبراهيم، و بعث إليه بثياب و طيب و فرس، و بعث ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم: انظروا إلى كلامه، و إلى مقعده، و إلى مطعمه و مشربه، و مصلاه، فلما وافوا المدينة، دعاهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى الإسلام، و قرأ عليهم القرآن ﴿إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلىََ وََالِدَتِكَ﴾ إلى قوله:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنََّاسِ عَدََاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارىََ ذََلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبََاناً وَ أَنَّهُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ وَ إِذََا سَمِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرىََ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمََّا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ -إلى قوله تعالى- وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْمُحْسِنِينَ[82-85] · سورة المائدة