قال أبو يعقوب راوي تفسير الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام): قلت للإمام (عليه السلام): فهل كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و لأمير المؤمنين (عليه السلام) آيات تضاهي آيات موسى (عليه السلام) ؟فقال الإمام (عليه السلام): «علي (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و آيات رسول الله آيات علي (عليه السلام) و آيات علي (عليه السلام) آيات رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ما من آية أعطاها الله تعالى موسى (عليه السلام) و لا غيره من الأنبياء إلا و قد أعطى الله محمدا (صلى الله عليه و آله) مثلها أو أعظم منها. أما العصا التي كانت لموسى (عليه السلام) فانقلبت ثعبانا فتلقفت ما أتته السحرة من عصيهم و حبالهم، فلقد كان لمحمد (صلى الله عليه و آله) أفضل من ذلك، و هو أن قوما من اليهود أتوا محمدا (صلى الله عليه و آله) فسألوه و جادلوه، فما أتوه بشيء إلا أتاهم في جوابه بما بهرهم، فقالوا له: يا محمد، إن كنت نبيا فأتنا بمثل عصا موسى، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الذي أتيتكم به أعظم من عصا موسى، فإنه باق بعدي إلى يوم القيامة متعرض لجميع الأعداء و المخالفين، لا يقدر أحد منهم أبدا على معارضة سورة منه، و إن عصا موسى زالت و لم تبق بعده فتمتحن كما يبقى القرآن فيمتحن، ثم إني سآتيكم بما هو أعظم من عصا موسى و أعجب. فقالوا: فأتنا، فقال: إن موسى كانت عصاه بيده يلقيها، فكانت القبط يقول كافرهم: هذا موسى يحتال في العصا بحيلة، و إن الله سوف يقلب خشبا لمحمد ثعابين، بحيث لا تمسها يد محمد، و لا يحضرها، إذا رجعتم إلى بيوتكم و اجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت، قلب الله تعالى جذوع سقوفكم كلها أفاعي، و هي أكثر من مائة جذع، فتتصدع مرارات أربعة منكم فيموتون، و يغشى على الباقين منكم إلى غداة غد، فيأتيكم يهود، فتخبرونهم بما رأيتم، فلا يصدقونكم فتعود بين أيديهم و تملأ أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم، فيموت منهم جماعة و يخبل جماعة، و يغشى على أكثرهم». قال الإمام (عليه السلام): «فو الذي بعثه بالحق نبيا، لقد ضحك القوم كلهم بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله)، لا يحتشمونه و لا يهابونه، و يقول بعضهم لبعض: انظروا ما ادعى، و كيف قد عدا طوره؟!فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن كنتم الآن تضحكون فسوف تبكون، و تتحيرون إذا شاهدتم ما عنه تخبرون، ألا فمن هاله ذلك منكم و خشي على نفسه أن يموت أو يخبل فليقل: اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، و علي الذي ارتضيته، و أوليائهما الذين من سلم لهم أمرهم اجتبيته، لما قويتني على ما أرى. و إن كان من يموت هناك ممن يحبه و يريد حياته فليدع له بهذا الدعاء، ينشره الله عز و جل و يقويه». قال (عليه السلام): «فانصرفوا و اجتمعوا في ذلك الموضع، و جعلوا يهزءون بمحمد (صلى الله عليه و آله) و قوله: إن تلك الجذوع تنقلب أفاعي، فسمعوا حركة من السقف، فإذا بتلك الجذوع انقلبت أفاعي، و قد لوت رؤوسها إلى الحائط، و قصدت نحوهم تلتقمهم، فلما وصلت إليهم كفت عنهم، و عدلت إلى ما في الدار من أحباب و جرار و كيزان و صلايات و كراسي و خشب و سلاليم و أبواب فالتقمتها و أكلتها، فأصابهم ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنه يصيبهم، فمات منهم أربعة، و خبل جماعة، و جماعة خافوا على أنفسهم، فدعوا بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقويت قلوبهم. و كانت الأربعة أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء فنشروا، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الدعاء مجاب به، و إن محمدا صادق، و إن كان يثقل علينا تصديقه و اتباعه، أ فلا ندعوا به لتلين للإيمان به و التصديق له و الطاعة لأوامره و زواجره قلوبنا، فدعوا بذلك الدعاء، فحبب الله عز و جل إليهم الإيمان و طيبه في قلوبهم، و كره إليهم الكفر، فآمنوا بالله و رسوله، فلما أصبحوا من الغد جاءت اليهود و قد عادت الجذوع ثعابين كما كانت، فشاهدوها و تحيروا و غلب الشقاء عليهم». قال (عليه السلام): «و أما اليد فقد كان لمحمد (صلى الله عليه و آله) مثلها و أفضل منها. و أكثر من ألف مرة كان (صلى الله عليه و آله) يحب أن يأتيه الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و كانا يكونان عند أهلهما أو مواليهما أو دايتهما، و كان يكون في ظلمة الليل فيناديهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) يا أبا محمد، يا أبا عبد الله، هلما إلي. فيقبلان نحوه من ذلك البعد، و قد بلغهما صوته، فيقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) بسبابته هكذا، يخرجها من الباب، فتضيء لهما أحسن من ضوء القمر و الشمس، فيأتيانه، ثم تعود الإصبع كما كانت، فإذا قضى وطره من لقائهما و حديثهما، قال: ارجعا إلى موضعكما. و قال بعد بسبابته هكذا، فأضاءت أحسن من ضياء القمر و الشمس، قد أحاط بهما إلى أن يرجعا إلى موضعهما، ثم تعود إصبعه (صلى الله عليه و آله) كما كانت من لونها في سائر الأوقات. و أما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط، فقد أرسل الله تعالى مثله على قوم مشركين آية لمحمد (صلى الله عليه و آله)، فقال (عليه السلام): إن رجلا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقال له ثابت بن أبي الأقلح قتل رجلا من المشركين في بعض المغازي، فنذرت امرأة ذلك المشرك المقتول لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل الخمر، فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع، قتل ثابت هذا على ربوة من الأرض، فانصرف المشركون، و اشتغل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أصحابه في دفن أصحابه، فجاءت المرأة إلى أبي سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك المقتول ليحز رأسه، فيؤتى به لتفي بنذرها فتشرب في قحف رأسه خمرا، و قد كانت البشارة بقتله أتاها بها عبد لها فأعتقته، و أعطته جارية لها، ثم سألت أبا سفيان فبعث إلى ذلك المقتول مائتين من أصحاب الجلد في جوف الليل ليحتزوا رأسه فيأتونها به، فذهبوا، فجاءت ريح، فدحرجت الرجل إلى حدور فتبعوه ليقطعوا رأسه، فجاء من المطر وابل عظيم فأغرق المائتين، و لم يوقف لذلك المقتول و لا لواحد من المائتين على عين و لا أثر، و منع الله الكافرة مما أرادت، فهذا أعظم من الطوفان آية له (عليه الصلاة و السلام). و أما الجراد المرسل على بني إسرائيل، فقد فعل الله أعظم و أعجب منه بأعداء محمد (صلى الله عليه و آله)، فإنه أرسل عليهم جرادا أكلهم، و لم يأكل جراد موسى رجال القبط، و لكنه أكل زروعهم، و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان في بعض أسفاره إلى الشام، و قد تبعه مائتان من يهودها في خروجه عنها و إقباله نحو مكة، يريدون قتله مخافة أن يزيل الله دولة اليهود على يده، فراموا قتله، و كان في القافلة فلم يجسروا عليه، و كان رسول استشهد في يوم الرجيع، و ليس يوم احد، راجع ترجمته و وقائع مقتله في: إعلام الورى: 86، بحار الأنوار 20: 150-152، رجال الطوسي: 25، معجم رجال الحديث 9: 179-و فيهما: عاصم بن ثابت بن الأفلح-، سيرة ابن هشام 3: 178، تاريخ الطبري 3: 30، اسد الغابة 3: 73، جمهرة أنساب العرب: 333. الله (صلى الله عليه و آله) إذا أراد حاجة أبعد و استتر بأشجار ملتفة، أو بخربة بعيدة، أو برية بعيدة، فخرج ذات يوم لحاجة و أبعد فاتبعوه، و أحاطوا به و سلوا سيوفهم عليه، فأثار الله جل و علا من تحت رجل محمد (صلى الله عليه و آله) من ذلك الرمل جرادا كثيرا، فاحتوشهم و جعل يأكلهم، فاشتغلوا بأنفسهم عنه. فلما فرغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حاجته و هم يأكلهم الجراد رجع (صلى الله عليه و آله) إلى أهل القافلة، فقالوا له: يا محمد، ما بال الجماعة خرجوا خلفك و لم يرجع منهم أحد؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد. فجاءوا و نظروا إليهم فبعضهم قد مات، و بعضهم قد كاد يموت، و الجراد يأكلهم، فما زالوا ينظرون إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم، فلم يبق منهم شيئا. و أما القمل، أظهر الله قدرته على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) بالقمل، و قصة ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما ظهر بالمدينة أمره، و علا بها شأنه، حدث يوما أصحابه عن امتحان الله عز و جل للأنبياء (عليهم السلام)، و عن صبرهم على الأذى في طاعة الله، فقال في حديثه: إن بين الركن و المقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع و القمل. فسمع ذلك بعض المنافقين من اليهود، و بعض مردة كفار قريش، فتآمروا بينهم و توافقوا ليلحقن محمدا بهم، فيقتلونه بسيوفهم حتى لا يكذب، فتآمروا بينهم، و هم مائتان، على الإحاطة به يوم يجدونه من المدينة خارجا. فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوما خاليا فتبعه القوم، فنظر بعضهم إلى ثياب نفسه و فيها قمل، ثم جعل بدنه و ظهره يحكه من القمل، فأنف منه أصحابه، و استحيا فانسل عنهم، فأبصر آخر ذلك في نفسه، و فيها قمل مثل ذلك، فانسل، فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد في نفسه، فرجعوا، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل، و انطبقت حلوقهم، فلم يدخل فيها طعام و لا شراب فماتوا كلهم في شهرين، منهم من مات في خمسة أيام، و منهم من مات في عشرة أيام و أقل و أكثر، و لم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل و الجوع و العطش، فهذا القمل الذي أرسله الله على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) آية له. و أما الضفادع، فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد (صلى الله عليه و آله) لما قصدوا قتله، فأهلكهم الله بالجرذ، و ذلك أن مائتين، بعضهم كفار العرب، و بعضهم يهود، و بعضهم أخلاط من الناس، اجتمعوا بمكة في أيام الموسم، و هموا في أنفسهم: لنقتلن محمدا. فخرجوا نحو المدينة، فبلغوا بعض تلك المنازل و إذا هناك ماء في بركة-أو حوض-أطيب من مائهم الذي كان معهم، فصبوا ما كان معهم منه، و ملأوا رواياهم و مزاودهم من ذلك الماء و ارتحلوا، فبلغوا أرضا ذات جرذ كثير و ضفادع فحطوا رواحلهم عندها، فسلطت على مزاودهم و رواياهم و سطائحهم الضفادع و الجرذ، فخرقتها و ثقبتها و سال ماؤها في تلك الحرة، فلم يشعروا إلا و قد عطشوا و لا ماء معهم، فرجعوا القهقرى إلى تلك الحياض التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، و إذا الجرذ و الضفادع قد سبقتهم إليها فثقبت أصولها و سالت في الحرة مياهها، فوقعوا آيسين من الماء، و تماوتوا و لم يفلت منهم أحد إلا واحد كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا، و على بطنه محمدا، و يقول: يا رب محمد و آل محمد، قد تبت من أذى محمد، ففرج عني بجاه محمد و آل محمد. فسلم و كف الله عنه العطش، فوردت عليه قافلة فسقوه و حملوه و أمتعة القوم و جمالهم، و كانت الجمال أصبر على العطش من رجالها، فآمن برسول الله (صلى الله عليه و آله) و جعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) تلك الجمال و الأموال له. و أما الدم، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) احتجم مرة، فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري، و قال له: غيبه. فذهب و شربه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما صنعت به؟قال: شربته يا رسول الله. قال: أو لم أقل لك غيبه؟فقال: غيبته في وعاء حريز. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إياك و أن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك و دمك لما اختلط بلحمي و دمي. فجعل أربعون من المنافقين يهزءون برسول الله (صلى الله عليه و آله)، و يقولون: زعم أنه قد أعتق الخدري من النار، لما اختلط دمه بدمه، و ما هو إلا كذاب مفتر، و أما نحن فنستقذر دمه. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أما إن الله يعذبهم بالدم، و يميتهم به، و إن كان لم يمت القبط. فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، و سيلان دماء من أضراسهم، فكان طعامهم و شرابهم يختلط بالدم، فيأكلونه، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين، ثم هلكوا. و أما السنين و نقص من الثمرات، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعا على مضر، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، و اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. فابتلاهم الله بالقحط و الجوع، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه و قبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس و ينتن و يفسد، فيذهب أموالهم و لا يجعل لهم في الطعام نفع، حتى أضر بهم الأزم و الجوع الشديد العظيم حتى أكلوا الكلاب الميتة، و أحرقوا عظام الموتى فأكلوها، و حتى نبشوا عن قبور الموتى فأكلوهم، و حتى ربما أكلت المرأة طفلها، إلى أن جاءت جماعات من رؤساء قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقالت: يا محمد، هبك عاديت الرجال، فما بال النساء و الصبيان و البهائم؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أنتم بهذا معاقبون، و أطفالكم و حيواناتكم بهذا غير معاقبة، بل هي معوضة بجميع المنافع حين يشاء ربنا في الدنيا و الآخرة، فسوف يعوضها الله تعالى عما أصابها، ثم عفا عن مضر، و قال: اللهم أفرج عنهم. فعاد إليهم الخصب و الدعة و الرفاهية، فذلك قول الله عز و جل فيهم يعدد عليهم نعمه:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — قََالُوا أُوذِينََا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنََا وَ مِنْ بَعْدِ مََا جِئْتَنََا -إلى قوله تعالى- وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرََائِيلَ[129-134] 3964/ -علي بن إبراهيم، قال: قال الذين آمنوا لموسى (عليه السلام): قد أوذينا قبل مجيئك بقتل أولادنا، و من بعد ما جئتنا، لما حبسهم فرعون لإيمانهم بموسى، فـ قََالَ موسى: عَسىََ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ و معنى ينظر أي يرى كيف يعملون، فوضع النظر مكان الرؤية. · سورة الأعراف