العلامة الحلي (قدس سره) في كتاب (الكشكول): عن أحمد بن عبد الرحمن الناوردي يوم الجمعة في شهر رمضان سنة عشرين و ثلاث مائة، قال: قال الحسين بن العباس، عن المفضل الكرماني، قال: حدثني محمد بن صدقة، قال: قال محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: سألت مولاي جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن قول الله عز و جل: ﴿فَلِلََّهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبََالِغَةُ فَلَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فقال جعفر بن محمد (عليه السلام): «الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل من أهل الكتاب فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه، لأن الله تعالى أكرم و أعدل من أن يعذب أحدا إلا بحجة». ثم قال جعفر بن محمد (عليه السلام): ﴿وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدََاهُمْ حَتََّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مََا يَتَّقُونَ﴾ ثم أنشأ جعفر بن محمد (عليه السلام) محدثا، و ذكر حديثا طويلا، و قال (عليه السلام) فيه: «أقبل النضر بن الحارث فسلم، فرد عليه النبي (صلى الله عليه و آله)، فقال: يا رسول الله، إذا كنت سيد ولد آدم و أخوك سيد العرب، و ابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين، و ابناك الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنة، و عمك حمزة سيد الشهداء، و ابن عمك ذا جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، و عمك العباس جلدة بين عينيك و صنو أبيك، و بنو شيبة لهم السدانة، فما لسائر قومك من قريش و سائر العرب؟فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول كان لنا ما لك، و علينا ما عليك. فأطرق رسول الله طويلا، ثم رفع رأسه، ثم قال: ما أنا و الله فعلت بهم هذا، بل الله فعل بهم، فما ذنبي؟فولى النضر بن الحارث و هو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فأنزل الله عليه مقالة النضر بن الحارث، و هو يقول: ﴿اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ﴾ و نزلت هذه: ﴿وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فبعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى النضر بن الحارث الفهري، و تلا عليه الآية، فقال: يا رسول الله، إني قد أسررت ذلك جميعه، أنا و من لم تجعل له ما جعلته لك و لأهل بيتك من الشرف و الفضل في الدنيا و الآخرة، فقد أظهر الله ما أسررنا، أما أنا فأسألك أن تأذن لي فأخرج من المدينة، فإني لا أطيق المقام. فوعظه النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: إن ربك كريم، فإن أنت صبرت و تصابرت لم يخلك من مواهبه، فارض و سلم، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره، و يخفف عمن يشاء، و له الأمر و الخلق، مواهبه و عظيمة، و إحسانه واسع. فأبي النضر بن الحارث و سأله الإذن، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه و آله). فأقبل إلى بيته، و شد على راحلته راكبا متعصبا، و هو يقول: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم. فلما مر بظهر المدينة، و إذا بطير في مخلبه حجر فجدله، فأرسله إليه، فوقع على هامته، ثم دخل في دماغه، و خرت في بطنه[حتى خرجت من دبره، و وقعت على ظهر راحلته و خرت حتى خرجت من بطنها]فاضطربت الراحلة و سقطت و سقط النضر بن الحارث من عليها ميتين، فأنزل الله تعالى:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — وَ إِذْ قََالُوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ أَوِ اِئْتِنََا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[32-33] · سورة الأنفال