علي بن إبراهيم: أنه كان سبب غزاة حنين أنه لما خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى فتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، و بلغ الخبر هوازن، فتهيئوا و جمعوا الجموع و السلاح، و اجتمع رؤساؤهم إلى مالك بن عوف النضري فرأسوه عليهم، و خرجوا و ساقوا معهم أموالهم و نساءهم و ذراريهم و مروا حتى نزلوا بأوطاس، و كان دريد بن الصمة الجشمي في القوم، و كان رئيس جشم، و كان شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر، فلمس الأرض بيده، فقال: في أي واد أنتم؟قالوا: بوادي أوطاس. قال: نعم، مجال خيل، لا حزن ضرس، و لا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمار و خوار البقر و ثغاء الشاة و بكاء الصبي. فقالوا له: إن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم و نساءهم و ذراريهم، ليقاتل كل امرئ عن نفسه و ماله و أهله. فقال دريد: راعي ضأن -و رب الكعبة-ماله و للحرب!ثم قال: ادعوا لي مالكا. فلما جاءه قال له: يا مالك، ما فعلت؟قال: سقت مع الناس أموالهم و نساءهم و أبناءهم، ليجعل كل رجل أهله و ماله وراء ظهره، فيكون أشد لحربه». فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، و إنك تقاتل رجلا كريما، و هذا اليوم لما بعده، و لم تضع في تقدمة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ويحك و هل يلوي المنهزم علي شيء؟!اردد بيضة هوازن إلى علياء بلادهم و ممتنع محالهم، و ألق الرجال على متون الخيل، فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه و درعه و فرسه، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، و إن كانت عليك لا تكون قد فضحت في أهلك و عيالك. فقال له مالك: إنك قد كبرت و ذهب علمك و عقلك، فلم يقبل من دريد. فقال دريد: ما فعلت كعب و كلاب؟قالوا: لم يحضر منهم أحد. قال: غاب الجد و الحزم، لو كان يوم علا و سعادة ما كانت تغيب كعب و لا كلاب. قال: فمن حضرها من هوازن؟قالوا: عمرو بن عامر، و عوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان لا ينفعان و لا يضران، ثم تنفس دريد، و قال: حرب عوان. ليتني فيها جذع # أخب فيها و أضع أقود و طفاء الزمع # كأنها شاة صدع في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «و كان معه من بني سليم ألف رجل رئيسهم عباس بن مرداس السلمي، و من مزينة ألف رجل». رجع الحديث إلى علي بن إبراهيم، قال: فمضوا حتى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة، قال: و قال مالك ابن عوف لقومه: ليصير كل رجل منكم أهله و ماله خلف ظهره، و اكسروا جفون سيوفكم، و اكمنوا في شعاب هذا الوادي و في الشجر، فإذا كان في غلس الفجر فاحملوا حملة رجل واحد، و هدوا القوم، فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب. قال: فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الغداة انحدر في وادي حنين، و هو واد له انحدار بعيد، و كانت بنو سليم على مقدمته، فخرجت عليها كتائب هوازن من كل ناحية، فانهزمت بنو سليم، و انهزم من وراءهم، و لم يبق أحد إلا انهزم، و بقي أمير المؤمنين (عليه السلام) يقاتلهم في نفر قليل. فأقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ينادي: «يا معشر الأنصار، إلى أين المفر؟أنا رسول الله» فلم يلو أحد عليه. و كانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو التراب في وجوه المنهزمين، و تقول: أين تفرون عن الله و عن رسوله. و مر بها عمر، فقالت له: ويلك، ما هذا الذي صنعت؟فقال لها: هذا أمر الله. فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الهزيمة ركض يحوم على بغلته قد شهر سيفه، فقال: «يا عباس، اصعد هذا الظرب و ناد: يا أصحاب البقرة، يا أصحاب الشجرة، إلى أين تفرون، هذا رسول الله». ثم رفع رسول الله (صلى الله عليه و آله) يده فقال: «اللهم لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان» فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله: دعوت بما دعا به موسى حين فلق الله له البحر و نجاه من فرعون. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأبي سفيان بن الحارث: «ناولني كفا من حصى، فناوله فرماه في وجوه المشركين، ثم قال: «شاهت الوجوه» ثم رفع رأسه إلى السماء، و قال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، و إن شئت أن لا تعبد لا تعبد». فلما سمعت الأنصار نداء العباس عطفوا و كسروا جفون سيوفهم و هم ينادون: لبيك، و مروا برسول الله (صلى الله عليه و آله)، و استحيوا أن يرجعوا إليه، و لحقوا بالراية، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للعباس: «من هؤلاء، يا أبا الفضل؟». فقال: يا رسول الله، هؤلاء الأنصار. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «الآن حمي الوطيس» فنزل النصر من السماء، و انهزمت هوازن، و كانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو، فانهزموا في كل وجه، و غنم رسول الله (صلى الله عليه و آله) أموالهم و نساءهم و ذراريهم، و هو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ فِي مَوََاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ﴾.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا -إلى قوله تعالى- وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْكََافِرِينَ [25-26] · سورة التوبة