الأقسامتحريف القرآن وشرط تفسيره عن أهل البيت عليهم السلامتفسير الآيات
البرهان في تفسير القرآن

الإمام العسكري (عليه السلام): قال: «قال الصادق (عليه السلام): لقد حدثني أبي الباقر (عليه السلام) عن جدي علي بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي سيد الشهداء، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين)، أنه اجتمع يوما عند رسول الله (صلى الله عليه و آله) أهل خمسة أديان: اليهود، و النصارى، و الدهرية، و الثنوية، و مشركو العرب. فقالت اليهود: نحن نقول: عزير ابن الله، و قد جئناك-يا محمد-لننظر ما تقول، فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل، و إن خالفتنا خاصمناك‏. و قالت النصارى: نحن نقول: إن المسيح ابن الله اتحد به، و قد جئناك لننظر ما تقول، فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل، و إن خالفتنا خاصمناك. و قالت الدهرية: نحن نقول: الأشياء لا بدء لها، و هي دائمة، و قد جئناك لننظر ما تقول، فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل، و إن خالفتنا خاصمناك. و قالت الثنوية: نحن نقول: إن النور و الظلمة هما المدبران، و قد جئناك لننظر ما تقول، فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل، و إن خالفتنا خاصمناك. و قال مشركو العرب: نحن نقول: إن أوثاننا آلهة، و قد جئناك لننظر ما تقول، فإن تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل، و إن خالفتنا خاصمناك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): آمنت بالله وحده لا شريك له، و كفرت بكل معبود سواه. ثم قال: إن الله تعالى بعثني بالحق إلى الخلق كافة بشيرا و نذيرا، حجة على العالمين، و سيرد الله كيد من يكيد دينه في نحره. ثم قال لليهود: أ جئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟قالوا: لا. قال: فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيرا ابن الله؟قالوا: لأنه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت، و لم يفعل به هذا إلا لأنه ابنه. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فكيف صار عزير ابن الله دون موسى، و هو الذي جاء بالتوراة، و رئي منه من العجائب‏ ما قد علمتم، و لئن كان عزير ابن الله لما ظهر من إكرامه بإحياء التوراة، فلقد كان موسى بالبنوة أحق و أولى، و لئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزير يوجب أنه ابنه، فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجل من البنوة، لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الولادة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطء آبائهم لهن فقد كفرتم بالله تعالى، و شبهتموه بخلقه، و أوجبتم فيه صفات المحدثين، و وجب عندكم أن يكون محدثنا مخلوقا، و أن له خالقا صنعه و ابتدعه! قالوا: لسنا نعني هذا، فإن هذا كفر كما ذكرت، و لكنا نعني أنه ابنه على معنى الكرامة، و إن لم يكن هناك ولادة، كما يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه و إبانة المنزلة من غيره: يا بني، و: إنه ابني. لا على إثبات ولادته منه، لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب بينه و بينه، و كذلك لما فعل بعزير ما فعل كان اتخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهذا ما قلته لكم: إنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه، فإن هذه المنزلة لموسى أولى، و إن الله تعالى يفضح كل مبطل بإقراره، و يقلب عليه حجته. إن ما احتججتم به إنما يؤديكم إلى ما هو أكبر مما ذكرته لكم، لأنكم زعمتم أن عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه و بينه: يا بني، و هذا ابني، لا على طريق الولادة، فقد تجدون أيضا هذا العظيم يقول لأجنبي آخر: هذا أخي. و لآخر: هذا شيخي، و أبي. و لآخر: هذا سيدي، و يا سيدي، على طريق الإكرام، و إن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، فإذن يجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في الكرامة على ما لعزير، كما أن من زاد رجلا في الإكرام، فقال له: يا سيدي، و يا شيخي، و يا عمي، و يا رئيسي، و يا أميري‏[على طريق الإكرام، و إن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، أ فيجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو عما أو رئيسا أو سيدا أو أميرا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له: يا شيخي أو: يا سيدي أو: يا عمي أو: يا رئيسي أو: يا أميري؟]. قال: فبهت القوم و تحيروا، و قالوا: يا محمد، أجلنا نتفكر فيما قلته. فقال: انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله. ثم أقبل (صلى الله عليه و آله) على النصارى، فقال لهم: و أنتم قلتم: إن القديم عز و جل اتحد بالمسيح ابنه، ما الذي أردتموه بهذا القول؟أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الذي هو عيسى؟أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما لوجود القديم الذي هو الله، أو معنى قولكم: إنه اتحد به، أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه. فإن أردتم أن القديم تعالى صار محدثا، فقد أحلتم‏، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا، و إن أردتم أن المحدث صار قديما، فقد أحلتم، لأن المحدث أيضا محال أن يصيرا قديما، و إن أردتم أنه اتحد به بأن اختصه و اصطفاه على سائر عباده، فقد أقررتم بحدوث عيسى و بحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله، لأنه إذا كان عيسى محدثا، و كان الله اتحد به بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده، فقد صار عيسى و ذلك المعنى محدثين، و هذا خلاف ما بدأتم تقولونه. قال: فقالت النصارى: يا محمد، إن الله تعالى لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر، فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): فقد سمعتم ما قلت لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه، ثم أعاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك كله، فسكتوا إلا رجلا واحدا منهم، قال له: يا محمد، أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل الله؟[قال: قد قلنا ذلك. فقال: ]فإذا قلتم ذلك، فلم منعتمونا من أن نقول: إن عيسى ابن الله؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنهما لن يشتبها، لأن قولنا: إن إبراهيم خليل الله، فإنما هو مشتق من الخلة و الخلة، فأما الخلة فمعناه الفقر و الفاقة، فقد كان خليلا إلى ربه فقيرا و إليه منقطعا، و عن غيره متعففا معرضا مستغنيا، و ذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله تعالى إلى جبرئيل (عليه السلام)، و قال له: أدرك عبدي. فجاءه فلقيه في الهواء، فقال له: كلفني ما بدا لك، فقد بعثني الله لنصرتك، فقال: بل حسبي الله و نعم الوكيل، إني لا أسأل غيره، و لا حاجة إلي إلا إليه، فسماه خليله، أي فقيره و محتاجه، و المنقطع إليه عمن سواه. و إذا جعل معنى ذلك من الخلة فقد تخلل معانيه‏، و وقف على أسرار لم يقف عليها غيره، كأن معناه العالم به و بأموره، فلا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه، ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، و إذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله، و أن من يلده الرجل و إن أهانه و أقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده، لأن معنى الولادة قائم. ثم إن وجب-لأنه قال الله تعالى: إبراهيم خليلي-أن تقيسوا أنتم فتقولوا: إن عيسى ابنه، وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى: إنه ابنه. فإن الذي معه من المعجزات لم يكن دون ما كان مع عيسى، فقولوا: إن موسى أيضا ابنه، و إنه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى: شيخه و عمه و سيده و رئيسه و أميره، كما قد ذكرته لليهود. فقال بعضهم: ففي الكتب المنزلة أن عيسى، قال: أذهب إلى أبي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فإن كنتم بذلك الكتاب تعلمون، فإن فيه: ربي و ربكم، و أذهب إلى أبي و أبيكم، فقولوا: إن جميع الذين خاطبهم كانوا أبناء الله، كما كان عيسى ابنه، من الوجه الذي كان عيسى ابنه ثم إن ما في هذا الكتاب يبطل عليكم هذا المعنى الذي زعمتم أن عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له، لأنكم قلتم: إنما قلنا: إنه ابنه لأنه تعالى اختصه بما لم يختص به غيره، و أنتم تعلمون أن الذي خص به عيسى، لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي و أبيكم. فبطل أن يكون الاختصاص لعيسى، لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى. و أنتم إنما حكيتم لفظة عيسى و تأولتموها على غير وجهها، لأنه إذا قال: أبي و أبيكم. فقد أراد غير ما ذهبتم إليه و نحلتموه، و ما يدريكم لعله عنى: أذهب إلى آدم و إلى نوح، إن الله يرفعني إليهم، و يجمعني معهم، و آدم أبي و أبوكم، و كذلك نوح، بل ما أراد غير هذا؟ قال: فسكتت النصارى، و قالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا و مخاصما، و سننظر في أمورنا. ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الدهرية، فقال: و أنتم، فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها، و هي دائمة لم تزل، و لا تزال؟ فقالوا: إنا لا نحكم إلا بما نشاهد، و لم نجد للأشياء حدثا، فحكمنا بأنها لم تزل، و لم نجد لها انقضاء و فناء [فحكمنا بأنها لا تزال‏]. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ فوجدتم لها قدما، أم وجدتم لها بقاء أبد الأبد؟فإن قلتم: إنكم قد وجدتم ذلك أثبتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية، و لا تزالون كذلك، و لئن قلتم هذا دفعتم العيان و كذبكم العالمون الذين يشاهدونكم. قالوا: بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الأبد. قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما، لأنكم لم تشاهدوا حدوثها و انقضاءها أولى من تارك التمييز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث و الانقضاء و الانقطاع، لأنه لم يشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الآبد. أو لستم تشاهدون الليل و النهار و أحدهما بعد الآخر؟فقالوا: نعم. فقال: أ ترونهما لم يزالا و لا يزالان؟فقالوا: نعم. قال: فيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار، فقالوا: لا. قال (صلى الله عليه و آله): فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر، فيسبق أحدهما، و يكون الثاني جاريا بعده، قالوا: كذلك هو. قال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل و نهار لم تشاهدوهما، فلا تنكروا لله قدرة. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ تقدرون ما تقدم‏ من الليل و النهار متناه أو غير متناه؟فإن قلتم: غير متناه. فكيف وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله؟و إن قلتم: إنه متناه. فقد كان و لا شي‏ء منهما. قالوا: نعم. قال لهم: أقلتم، إن العالم قديم ليس بمحدث. و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به، و بمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهذا الذي نشاهده من الأشياء، بعضها إلى بعض مفتقر، لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما نرى أن البناء محتاج بعض أجزائه إلى بعض و إلا لم يتسق و لم يستحكم، و كذلك سائر ما نرى. و قال (صلى الله عليه و آله): فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته و تمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا فكيف كان يكون؟و ماذا كانت تكون صفته؟قال: فبهتوا و علموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا و هي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا ثم قالوا: سننظر في أمرنا. ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الثنوية الذين قالوا: إن النور و الظلمة هما المدبران، فقال: و أنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟ قالوا: لأنا وجدنا العالم صنفين: خيرا، و شرا، و وجدنا الخير ضد الشر، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشي‏ء و ضده، بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن، كما أن النار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعين قديمين: ظلمة و ضياء. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): أو لستم وجدتم سوادا و بياضا، و حمرة و صفرة و خضرة و زرقة، و كل واحد منها ضد لسائرها، لاستحالة اجتماع اثنين منها في محل واحد، كما أن الحر و البرد ضدان لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟قالوا: نعم. قال: فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعا قديما، ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟ فسكتوا. أخذ شرقا يمشي إليه، و الآخر غربا، أ كان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرين على وجوههما؟قالوا: لا. قال: فوجب أن لا يختلط النور و الظلمة، لذهاب كل واحد منهما إلى غير جهة الآخر، فكيف حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج؟!بل هما مدبران جميعا مخلوقان. فقالوا: سننظر في أمورنا. ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على مشركي العرب، فقال: و أنتم، فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟فقالوا: نتقرب بذلك إلى الله تعالى. فقال: أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله تعالى؟قالوا: لا. قال: و أنتم الذين تنحتونها بأيديكم؟[قالوا: نعم، قال: ]فلئن تعبدكم هي-لو كان يجوز منها العبادة-أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم، و الحكيم فيما يكلفكم. قال: فلما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك اختلفوا، فقال بعضهم: إن الله قد يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة، فصورنا هذه الصور، نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حل فيها ربنا. و قال آخرون منهم: إن هذه صور أقوام سلفوا، كانوا مطيعين لله قبلنا، فمثلنا صورهم و عبدناها تعظيما لله. و قال آخرون منهم: إن الله لما خلق آدم و أمر الملائكة بالسجود له، كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة، ففاتنا ذلك، و صورنا صورته فسجدنا لها تقربا إلى الله، كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى الله تعالى، و كما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم، ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها، و قصدتم الكعبة لا محاريبكم، و قصدتم بالكعبة إلى الله تعالى لا إليها. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أخطأتم الطريق و ضللتم، أما أنتم-و هو (صلى الله عليه و آله) يخاطب الذين قالوا: إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور التي صورناها، فصورنا هذه نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا-فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات، أو يحل ربكم في شي‏ء حتى يحيط به ذلك الشي‏ء؟فأي فرق بينه إذن و بين سائر ما يحل فيه من لونه و طعمه و رائحته و لينه و خشونته و ثقله و خفته؟و لم صار هذا المحلول فيه محدثا و ذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا و هذا قديما؟و كيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال، و هو عز و جل‏[لا يزال‏]كما لم يزل؟فإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال، و ما وصفتموه بالزوال و الحدوث وصفتموه‏ بالفناء، لأن ذلك أجمع من صفات الحال و المحلول فيه، و جميع ذلك يغير الذات، فإن جاز أن تتغير ذات الباري عز و جل بحلوله في شي‏ء، جاز أن يتغير بأن يتحرك و يسكن و يسود و يبيض و يحمر و يصفر و تحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين و يكون محدثا تعالى الله عن ذلك. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فإذا بطل ما ظننتموه من أن الله يحل في شي‏ء فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم. قال: فسكت القوم، و قالوا: سننظر في أمورنا. ثم أقبل على الفريق الثاني، فقال لهم: أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد الله فسجدتم لها و صليتم، و وضعتم الوجوه الكريمة على التراب، فما الذي أبقيتم لرب العالمين؟أما علمتم أن من حق من يلزم تعظيمه و عبادته أن لا يساوى به عبده؟أرأيتم ملكا عظيما إذا ساويتموه بعبيده في التعظيم و الخشوع و الخضوع أ يكون في ذلك وضع للكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟فقالوا: نعم. فقال: أ فلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون الله بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على رب العالمين؟فسكت القوم بعد أن قالوا: سننظر في أمورنا. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للفريق الثالث: لقد ضربتم لنا مثلا و شبهتمونا بأنفسكم و لسنا سواء، و ذلك أنا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيما أمرنا، و ننزجر عما زجرنا، و نعبده من حيث يريد منا، فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه و لم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا، و لم يأذن لنا، لأنا لا ندري لعله أراد منا الأول و هو يكره الثاني، و قد نهانا أن نتقدم بين يديه. فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا، ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا، فلم نخرج في شي‏ء من ذلك من اتباع أمره، و الله عز و جل حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره، فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه، لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون، إذ لم يأمركم به. ثم قال: لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): أرأيتم لو أمركم رجل بدخول‏ داره يوما بعينه، أ لكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره؟و لكم أن تدخلوا دارا له اخرى مثلها بغير أمره؟أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه، أو عبدا من عبيده، أو دابة من دوابه، أ لكم أن تأخذوا ذلك؟قالوا: نعم. قال: فإن لم تجدوه أخذتم آخر مثله؟قالوا: لا، لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن لنا في الأول. قال (صلى الله عليه و آله): فأخبروني، الله تعالى أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟قالوا: بل الله أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير أمره و إذنه. قال (صلى الله عليه و آله): فلم فعلتم، و من‏ أمركم أن تسجدوا لهذه الصور؟قال: فقال القوم: سننظر في أمورنا ثم سكتوا. قال الصادق (عليه السلام): فو الذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم ثلاثة أيام حتى أتوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأسلموا، و كانوا خمسة و عشرين رجلا، من كل فرقة خمسة، و قالوا: ما رأينا مثل حجتك-يا محمد-نشهد أنك رسول الله. و قال الصادق (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فأنزل الله: ﴿‏اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏﴾ فكان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم: لما قال: ﴿‏اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ‏﴾ فكان ردا على الدهرية الذين قالوا: إن الأشياء لا بدء لها و هي دائمة. ثم قال: ﴿‏وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ‏﴾ فكان ردا على الثنوية الذين قالوا: إن النور و الظلمة هما المدبران. ثم قال: ﴿‏ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏﴾ فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا: إن أوثاننا آلهة. ثم أنزل الله تعالى: ﴿‏قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ‏﴾ إلى آخرها، فكان فيها رد على من ادعى من دون الله ضدا أو ندا. قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأصحابه: قولوا: ﴿‏إِيََّاكَ نَعْبُدُ‏﴾ أي نعبد واحدا، لا نقول كما قالت الدهرية: إن الأشياء لا بدء لها، و هي دائمة. و لا كما قالت الثنوية الذين قالوا: إن النور و الظلمة هما المدبران. و لا كما قال مشركو العرب: إن أوثاننا آلهة. فلا نشرك بك شيئا، و لا ندعو من دونك إلها، كما يقول هؤلاء الكفار، و لا نقول كما قالت اليهود و النصارى: إن لك ولدا، تعاليت عن ذلك».

البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ‏[30] · سورة التوبة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.