و روى الحسين بن حمدان الخصيبي، بإسناده، عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن أبيه محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «لما لقنه جابر بن عبد الله الأنصاري رسالة جده رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى ابنه الباقر (عليه السلام) قال له علي بن الحسين (عليه السلام): يا جابر، أ كنت شاهدا حديث جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم الغار؟قال جابر: لا، يا بن رسول الله. قال: إذن أحدثك، يا جابر؟قال: حدثني، جعلت فداك، فقد سمعته من جدك (صلى الله عليه و آله). فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما هرب إلى الغار من مشركي قريش حيث كبسوا داره لقتله، و قالوا: اقصدوا فراشه حتى نقتله فيه. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه): يا أخي، إن مشركي قريش يكبسوني في هذه الليلة، و يقصدون فراشي، فما أنت صانع يا علي؟ قال له أمير المؤمنين: أنا-يا رسول الله-اضطجع في فراشك، و تكون خديجة في موضع من الدار، و اخرج و استصحب الله حيث تأمن على نفسك. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): فديتك-يا أبا الحسن-أخرج لي ناقتي العضباء حتى أركبها، و أخرج إلى الله هاربا من مشركي قريش، و افعل بنفسك ما تشاء، و الله خليفتي عليك و على خديجة. فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ركب الناقة و سار، و تلقاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله، إن الله أمرني أن أصحبك في مسيرك و في الغار الذي تدخله و أرجع معك إلى المدينة إلى أن تنيخ ناقتك بباب أبي أيوب الأنصاري. فسار (صلى الله عليه و آله) فتلقاه أبو بكر، فقال له: يا رسول الله، أصحبك؟فقال ويحك-يا أبا بكر-ما أريد أن يشعر بي أحد، فقال: فأخشى-يا رسول الله-أن يستخلفني المشركون على لقائي إياك، و لا أجد بدا من صدقهم. فقال له (عليه السلام): ويحك-يا أبا بكر-أو كنت فاعلا ذلك؟فقال: إي و الله، لئلا أقتل، أو أحلف فأحنث. فقال (صلى الله عليه و آله): ويحك-يا أبا بكر-فما صحبتك إياي بنافعتك. فقال له أبو بكر: و لكنك تستغشني و تخشى أن انذر بك المشركين. فقال له (عليه السلام): سر إذا شئت. فتلقاه الغار، فنزل عن ناقته العضباء و أبركها بباب الغار، و دخل و معه جبرئيل و أبو بكر. و قامت خديجة في جانب الدار باكية على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و اضطجع أمير المؤمنين (عليه السلام) على فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليفديه بنفسه، و وافى المشركون الدار ليلا فتسوروا عليها و دخلوا، و قصدوا إلى فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فوجدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) مضطجعا فيه، فضربوا بأيديهم إليه، و قالوا: يا بن أبي كبشة، لم ينفعك سحرك و لا كهانتك و لا خدمة الجان لك، اليوم نسقي أسلحتنا من دمك. فنفض أمير المؤمنين أيديهم عنه، فكأنهم لم يصلوا إليه، و جلس في الفراش، و قال: ما بالكم-يا مشركي قريش-أنا علي بن أبي طالب! قالوا له: و أين محمد، يا علي؟قال: حيث يشاء الله. قالوا: و من في الدار؟قال: خديجة. قالوا: الحبيبة الكريمة لولا تبعلها بمحمد. يا علي، و حق اللات و العزى لولا حرمة أبيك أبي طالب و عظم محله في قريش لأعملنا أسيافنا فيك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا مشركي قريش، أعجبتكم كثرتكم، و فالق الحب، و بارئ النسمة، ما يكون إلا ما يريد الله، و لو شئت أن أفني جمعكم، كنتم أهون علي من فراش السراج، فلا شيء أضعف منه. فتضاحك القوم المشركون، و قال بعضهم لبعض: خلوا عليا لحرمة أبيه و اقصدوا الطلب لمحمد. و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الغار، و جبرئيل (عليه السلام) و أبو بكر معه، فحزن رسول الله (صلى الله عليه و آله) على علي (عليه السلام) و خديجة فقال جبرئيل (عليه السلام): لا تحزن إن الله معنا. ثم كشف له فرأى عليا و خديجة (عليهما السلام) و رأى سفينة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) و من معه تعوم في البحر، فأنزل الله سكينته على رسوله، و هو الأمان مما خشيه على علي و خديجة، فأنزل الله الآية ﴿ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ﴾ يريد جبرئيل (عليه السلام) ﴿إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الآية. و لو كان الذي حزن أبو بكر لكان أحق بالأمان من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، لو لم يحزن. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لأبي بكر: يا أبا بكر، إني أرى عليا و خديجة، و مشركي قريش و خطابهم و سفينة جعفر بن أبي طالب و من معه تعوم في البحر، و أرى الرهط من الأنصار مجلبين في المدينة. فقال أبو بكر: و تراهم-يا رسول الله-في[هذه الليلة، و في هذه الساعة، و أنت في]الغار و في هذه الظلمة، و ما بينهم و بينك من بعد المدينة عن مكة؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إني أريك-يا أبا بكر-حتى تصدقن. و مسح يده على بصره، فقال: انظر-يا أبا بكر-إلى مشركي قريش، و إلى أخي على الفراش و خطابه لهم، و خديجة في جانب الدار، و انظر إلى سفينة جعفر تعوم في البحر. فنظر أبو بكر إلى الكل، ففزع و رعب، و قال: يا رسول الله، لا طاقة لي بالنظر إلى ما رأيته، فرد علي غطائي، فمسح على بصره فحجب عما أراه رسول الله. و قصد المشركون في الطلب ليقفوا أثر رسول الله (صلى الله عليه و آله) [حتى]جاءوا إلى باب الغار، و حجب الله عنهم الناقة و لم يروها، و قالوا: هذا أثر ناقة محمد و مبركها في باب الغار. فدخلوا فوجدوا على باب الغار نسجا قد أظله، فقالوا: ويحكم ما ترون إلى نسج هذه العنكبوت على باب الغار، فكيف دخله محمد؟!فصدهم الله عنه و رجعوا. و خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الغار و هاجر إلى المدينة، و خرج أبو بكر فحدث المشركين بخبره مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قال لهم: لا طاقة لكم بسحر محمد». و قصص يطول شرحها. قال جابر: هكذا و الله-يا بن رسول الله-حدثني جدك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما زاد و لا نقص حرفا واحدا».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثاني — إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلىََ وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ هِيَ اَلْعُلْيََا وَ اَللََّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ اِنْفِرُوا خِفََافاً وَ ثِقََالاً[40-41] · سورة التوبة