عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) -عاد إلى الحديث الأول -قال: «و اشتد حزنه-يعني يعقوب-حتى تقوس ظهره، و أدبرت الدنيا عن يعقوب و ولده، حتى احتاجوا حاجة شديدة و فنيت ميرتهم، فعند ذلك، قال يعقوب لولده: ﴿اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لاََ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ﴾ فخرج منهم نفر و بعث معهم ببضاعة يسيرة، و كتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطفه على نفسه و ولده، و أوصى ولده أن يبدءوا بدفع كتابه قبل البضاعة، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: إلى عزيز مصر، و مظهر العدل و موفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، صاحب نمرود الذي جمع لإبراهيم الحطب و النار ليحرقه بها، فجعلها الله عليه بردا و سلاما و أنجاه منها: أخبرك-أيها العزيز-إنا أهل بيت قديم، لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله، ليبلونا بذلك عند السراء و الضراء، و أن مصائب تتابعت علي منذ عشرين سنة؛ أولها: أنه كان لي ابن سميته يوسف، و كان سروري من بين ولدي، و قرة عيني و ثمرة فؤادي، و أن إخوته من غير امه سألوني أن أبعثه معهم يرتع و يلعب، فبعثته معهم بكرة، و أنهم جاءوني عشاء يبكون، و جاءوني على قميصه بدم كذب، فزعموا أن الذئب أكله فاشتد لفقده حزني، و كثر على فراقه بكائي، حتى ابيضت عيناي من الحزن. و أنه كان له أخ من خالته، و كنت به معجبا و عليه رفيقا، و كان لي أنيسا، و كنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري، فيسكن بعض ما أجد في صدري، و أن إخوته ذكروا لي أنك- أيها العزيز-سألتهم عنه و أمرتهم أن يأتوك به، و إن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا، فرجعوا إلي فليس هو معهم، و ذكروا أنه سرق مكيال الملك، و نحن أهل بيت لا نسرق، و قد حبسته و فجعتني به، و قد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري و عظمت به مصيبتي، مع مصائب متتابعات علي. فمن علي بتخلية سبيله و إطلاقه من حبسك، و طيب لنا القمح، و اسمح لنا في السعر، و عجل بسراح آل يعقوب. فلما مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه، نزل جبرئيل على يعقوب فقال له: يا يعقوب، إن ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟قال يعقوب: أنت بلوتني بها عقوبة منك و أدبا لي، قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟قال يعقوب: اللهم لا. قال: أ فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري، و لم تستغث بي و تشكو ما بك إلي؟فقال يعقوب: أستغفرك يا إلهي و أتوب إليك. و أشكو بثي و حزني إليك. فقال الله تبارك و تعالى: قد بلغت بك-يا يعقوب-و بولدك الخاطئين الغاية في أدبي، و لو كنت-يا يعقوب- شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك، و استغفرت و تبت إلي من ذنبك، لصرفتها عنك بعد تقديري إياها عليك، و لكن الشيطان أنساك ذكري، فصرت إلى القنوط من رحمتي و أن الله الجواد الكريم، أحب عبادي المستغفرين التائبين الراغبين إلي فيما عندي. يا يعقوب، أنا راد إليك يوسف و أخاه، و معيد إليك ما ذهب من مالك و لحمك و دمك، و راد إليك بصرك، و مقوم لك ظهرك، و طب نفسا، و قر عينا، و إن الذي فعلته بك كان أدبا مني لك، فاقبل أدبي. قال: و مضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر، حتى دخلوا على يوسف في دار المملكة، فقالوا: ﴿يََا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ مَسَّنََا وَ أَهْلَنَا اَلضُّرُّ وَ جِئْنََا بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنََا﴾ بأخينا بنيامين، و هذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره. يسألك تخلية سبيله، و أن تمن به عليه، -قال-فأخذ يوسف كتاب يعقوب، فقبله، و وضعه على عينيه، و بكى و انتحب حتى بلت دموعه القميص الذي عليه. ثم أقبل عليهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مََا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ من قبل ﴿وَ أَخِيهِ﴾ من بعد؟ ﴿قََالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قََالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هََذََا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْنََا﴾، ﴿قََالُوا تَاللََّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اَللََّهُ عَلَيْنََا﴾ فلا تفضحنا، و لا تعاقبنا اليوم، و اغفر لنا، ﴿قََالَ لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللََّهُ لَكُمْ﴾. و في رواية أخرى عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ أ كان علم أنه حي، و قد فارقه منذ عشرين سنة، و ذهبت عيناه من الحزن؟قال: «نعم، علم أنه حي». · سورة يوسف