ابن بابويه: حدثنا أبو علي أحمد بن يحيى المكتب، قال حدثنا أحمد بن محمد الوراق، قال: حدثنا بشر بن سعيد بن قيلويه المعدل بالرافقة، قال: حدثنا عبد الجبار بن كثير التميمي اليماني، قال: سمعت محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة يقول: سألت جعفر بن محمد (عليه السلام)، فقلت له: يا بن رسول الله، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها؟فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، و إن شئت قل؟» قال: قلت له: يا بن رسول الله، و بأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي؟فقال: «بالتوسم و التفرس، أما سمعت قول الله عز و جل: ﴿إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ و قول رسول الله (صلى الله عليه و آله): اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله؟». قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فأخبرني بمسألتي؟قال: «أردت أن تسألني عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): لم لم يطق حمله علي بن أبي طالب (عليه السلام) عند حط الأصنام عن سطح الكعبة مع قوته و شدته، و ما ظهر منه في قلع باب القموص بخيبر، و الرمي به إلى ورائه أربعين ذراعا، و كان لا يطيق حمله أربعون رجلا، و قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يركب الناقة و الفرس و الحمار، و ركب البراق ليلة المعراج، و كل ذلك دون علي (عليه السلام) في القوة و الشدة». قال: فقلت له: عن هذا و الله أردت أن أسألك-يا بن رسول الله-فأخبرني. قال: «نعم، إن عليا (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه و آله) تشرف، و به ارتفع، و به وصل إلى أن أطفأ نار الشرك، و أبطل كل معبود من دون الله عز و جل، و لو علاه النبي (صلى الله عليه و آله) لحط الأصنام لكان (عليه السلام) بعلي مرتفعا و متشرفا و واصلا إلى حط الأصنام، و لو كان ذلك كذلك لكان أفضل منه، ألا ترى أن عليا (عليه السلام) قال: لما علوت ظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله) شرفت و ارتفعت حتى لو شئت أن أنال السماء لنلتها؟أما علمت أن المصباح هو الذي يهتدى به في الظلمة، و انبعاث فرعه من أصله؟و قد قال علي (عليه السلام): أنا من أحمد (صلى الله عليه و آله) كالضوء من الضوء، أما علمت أن محمدا و عليا (صلوات الله عليهما) كانا نورا بين يدي الله عز و جل قبل خلق الخلق بألفي عام؟و أن الملائكة لما رأت ذلك النور رأت له أصلا قد تشعب منه شعاع لامع، فقالوا: إلهنا و سيدنا، ما هذا النور؟فأوحى الله تبارك و تعالى إليهم: هذا نور من نوري، أصله نبوة و فرعه إمامة، أما النبوة فلمحمد عبدي و رسولي، و أما الإمامة فلعلي حجتي و وليي، و لولاهما ما خلقت خلقي، أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) رفع يد علي (عليه السلام) بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، فجعله مولى المسلمين و إمامهم، و قد أحتمل الحسن و الحسين (عليهما السلام) بغدير خم حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، فجعله مولى المسلمين و إمامهم، و قد أحتمل الحسن و الحسين (عليهما السلام) يوم حظيرة بني النجار، فلما قال له بعض أصحابه: ناولني أحدهما، يا رسول الله (صلى الله عليه و آله). قال: نعم الراكبان، و أبوهما خير منهما، و أنه (صلى الله عليه و آله) كان يصلي بأصحابه فأطال سجدة من سجداته، فلما سلم قيل له: يا رسول الله لقد أطلت هذه السجدة؟فقال: إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعاجله حتى ينزل؛ و إنما أراد بذلك (صلى الله عليه و آله) رفعهم و تشريفهم، فالنبي (صلى الله عليه و آله) إمام و نبي، و علي (عليه السلام) إمام ليس بنبي و لا رسول، فهو غير مطيق لحمل أثقال النبوة. قال: محمد بن حرب الهلالي: فقلت له زدني، يا بن رسول الله. فقال: «انك لأهل للزيادة، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) حمل عليا (عليه السلام) على ظهره، يريد بذلك أنه أبو ولده، و إمام الأئمة من صلبه، كما حول رداءه في صلاة الاستسقاء، و أراد أن يعلم أن يعلم أصحابه بذلك أنه قد تحول الجدب خصبا». قال: قلت له: زدني، يا بن رسول الله. فقال: «حمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) يريد بذلك أن يعلم قومه أنه هو الذي يخفف عن ظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما عليه من الدين و العدات، و الأداء عنه من بعده». قال: فقلت له: يا بن رسول الله، زدني. فقال: «احتمله ليعلم بذلك أنه قد احتمله، و ما حمل إلا لأنه معصوم لا يحمل وزرا فتكون أفعاله عند الناس حكمة و صوابا، و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): يا علي إن الله تبارك و تعالى حملني ذنوب شيعتك ثم غفرها لي، و ذلك قوله عز و جل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ﴾، و لما أنزل الله عز و جل عليه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال النبي (صلى الله عليه و آله): أيها الناس عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، و علي نفسي و أخي، أطيعوا عليا فإنه مطهر معصوم لا يضل و لا يشقى؛ ثم تلا هذه الآية ﴿قُلْ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمََا عَلَيْهِ مََا حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ مََا حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ مََا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ﴾». قال محمد بن حرب الهلالي: ثم قال جعفر بن محمد (عليه السلام): «أيها الأمير، لو أخبرتك بما في حمل النبي (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) عند حط الأصنام عن سطح الكعبة من المعاني التي أرادها به لقلت: إن جعفر بن محمد لمجنون، فحسبك من ذلك ما قد سمعت». فقمت إليه، و قبلت رأسه، و قلت له: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — وَ قُلْ جََاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبََاطِلُ إِنَّ اَلْبََاطِلَ كََانَ زَهُوقاً [81] · سورة الإسراء