الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) قال: «قلت لأبي علي بن محمد (عليهما السلام): فهل كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يناظرهم إذا عانتوه و يحاجهم؟ قال: بلى، مرارا كثيرة: منها ما حكى الله من قولهم: ﴿وَ قََالُوا مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَسْحُوراً﴾ ﴿وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى قوله ﴿كِتََاباً نَقْرَؤُهُ﴾. ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إياك، لأن مسألتنا أشد من مسائل قوم موسى لموسى (عليه السلام)، قال: و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذا اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم: الوليد بن المغيرة المخزومي، و أبو البختري بن هشام، و أبو جهل ابن هشام، و العاص بن وائل السهمي، و عبد الله بن أبي امية المخزومي، و جمع ممن يليهم كثير، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله، و يؤدي إليهم عن الله أمره و نهيه. فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد و عظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه، و الاحتجاج عليه، و إبطال ما جاء به، ليهون خطبه على أصحابه، و يصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه و باطله و تمرده و طغيانه، فإن انتهى و إلا عاملناه بالسيف الباتر. فقال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه و مجادلته ؟قال عبد الله بن أبي امية المخزومي: أنا لذلك أما ترضاني له قرنا حسيبا، و مجادلا كفيا؟قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد الله بن أبي امية المخزومي، فقال: يا محمد، لقد ادعيت دعوى عظيمة، و قلت مقالا هائلا، زعمت أنك رسول الله رب العالمين، و ما ينبغي لرب العالمين و خالق الخلق[أجمعين]أن يكون مثلك رسولا له، بشر مثلنا تأكل كما نأكل و تشرب كما نشرب، و تمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا ملك الروم و هذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال، عظيم حال، له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدم، و رب العالمين فوق هؤلاء كلهم أجمعين فهم عبيده، و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل و لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، ما أنت-يا محمد-إلا مسحورا و لست بنبي. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): هل بقي من كلامك شيء؟قال: بلى، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا، و أحسن حالا، فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك و بعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم؟إما الوليد بن المغيرة بمكة و إما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهل بقي من كلامك شيء، يا عبد الله؟قال: بلى، لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فإنها ذات أحجار و عرة و جبال، تكسح أرضها و تحفرها و تجري فيها العيون فإنا إلى ذلك محتاجون، أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فنأكل منها و نطعمها، و تفجر الأنهار خلالها-خلال ذلك النخيل و الأعناب-تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، فإنك قلت لنا: ﴿وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمََاءِ سََاقِطاً يَقُولُوا سَحََابٌ مَرْكُومٌ﴾ فلعلنا نقول ذلك. ثم قال: و لن نؤمن لك، أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا، تأتي بهم و هم لنا مقابلون أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه و تغنينا به فلعلنا نطغى، فإنك قلت لنا: ﴿كَلاََّ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغىََ أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىََ﴾ ثم قال: ﴿أَوْ تَرْقىََ فِي اَلسَّمََاءِ﴾ أي تصعد في السماء ﴿وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتََّى تُنَزِّلَ عَلَيْنََا كِتََاباً نَقْرَؤُهُ﴾، من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي امية المخزومي و من معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي، و صدقوه في مقاله، فإنه من عندي، ثم لا أدري-يا محمد-إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أولا أؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء و فتحت أبوابها و دخلناها، لقلنا: إنما سكرت أبصارنا، و سحرتنا. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا عبد الله، أبقي شيء من كلامك؟قال: يا محمد، أو ليس فيما أوردت عليك كفاية و بلاغ؟ما بقي شيء، فقل ما بدا لك، و أفصح عن نفسك، إن كانت لك حجة، أو ائتنا بما سألناك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): اللهم أنت السامع لكل صوت، و العالم بكل شيء، تعلم ما قاله عبادك، فأنزل الله عليه: يا محمد ﴿وَ قََالُوا مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَسْحُوراً﴾، ثم قال الله تعالى:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهََارَ خِلاََلَهََا تَفْجِيراً -إلى قوله تعالى- مَلَكاً رَسُولاً [90-95] · سورة الإسراء