عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنما مثل علي (عليه السلام) و مثلنا من بعده من هذه الامة كمثل موسى (عليه السلام) و العالم، حين لقيه و استنطقه و سأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصه الله لنبيه (صلى الله عليه و آله) في كتابه، و ذلك أن الله قال لموسى: ﴿إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي وَ بِكَلاََمِي فَخُذْ مََا آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَ كَتَبْنََا لَهُ فِي اَلْأَلْوََاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. و قد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح، و كان موسى يظن أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته، و جميع العلم قد كتب له في الألواح، كما يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء و علماء، و أنهم قد أثبتوا جميع العلم و الفقه في الدين مما تحتاج هذه الامة إليه، و صح لهم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و علموه و حفظوه، و ليس كل علم رسول الله (صلى الله عليه و آله) علموه، و لا صار إليهم عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لا عرفوه، و ذلك أن الشيء من الحلال و الحرام و الأحكام يرد عليهم فيسألون عنه، و لا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، و يكرهون أن يسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرأي و القياس في دين الله، و تركوا الآثار، و دانوا الله بالبدع، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): كل بدعة ضلالة. فلو أنهم إذا سئلوا عن شيء من دين الله، فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله، ردوه إلى الله و إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم-من آل محمد (عليهم السلام) -و الذي منعهم من طلب العلم منا العداوة و الحسد لنا، لا و الله ما حسد موسى (عليه السلام) العالم-و موسى نبي الله يوحي الله إليه-حيث لقيه و استنطقه و عرفه بالعلم، و لم يحسده كما حسدتنا هذه الامة بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ما علمنا و ما ورثنا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى (عليه السلام) إلى العالم و سأله الصحبة، ليتعلم منه، و يرشده، فلما أن سأل العالم ذلك، علم العالم أن موسى (عليه السلام) لا يستطيع صحبته، و لا يحتمل علمه، و لا يصير معه، فعند ذلك قال العالم: ﴿وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلىََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ فقال موسى (عليه السلام) له، و هو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ و قد كان العالم يعلم أن موسى (عليه السلام) لا يصبر على علمه. فكذلك-و الله، يا إسحاق بن عمار-حال قضاة هؤلاء و فقهائهم و جماعتهم اليوم، لا يحتملون-و الله-علمنا و لا يقبلونه و لا يطيقونه، و لا يأخذون به، و لا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى (عليه السلام) على علم العالم حين صحبه و رأى ما رأى من علمه، و كان ذلك عند موسى (عليه السلام) مكروها، و كان عند الله رضا و هو الحق، و كذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ، و هو عند الله الحق».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فإنه أخذ عليهم الميثاق». · سورة الكهف