ابن بابويه في (أماليه) قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن أبي شحمة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن هاشم القناني البغدادي، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا حسان بن عبد الله الواسطي، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «من زهد يحيى بن زكريا (عليهما السلام) أنه أتى بيت المقدس، فنظر إلى المجتهدين من الأحبار و الرهبان عليهم مدارع الشعر، و برانس الصوف، و إذا هم قد خرقوا تراقيهم، و سلكوا فيها السلاسل، و شدوها إلى سواري المسجد، فلما نظر إلى ذلك أتى امه، فقال: يا أماه، انسجي لي مدرعة من شعر، و برنسا من صوف، حتى آتي بيت المقدس فأعبد الله مع الأحبار و الرهبان. فقالت له امه: حتى يأتي نبي الله و استأمره في ذلك. فلما دخل زكريا (عليه السلام) أخبرته بمقالة يحيى، فقال له زكريا: يا بني، ما يدعوك إلى هذا، و إنما أنت صبي صغير؟فقال له: يا أبت، أما رأيت من هو أصغر سنا مني و قد أدركه الموت؟قال: بلى، ثم قال لأمه: انسجي له مدرعة من شعر، و برنسا من صوف. ففعلت، فتدرع المدرعة على بدنه، و وضع البرنس على رأسه، ثم أتى بيت المقدس، فأقبل يعبد الله عز و جل مع الأحبار حتى أكلت مدرعة الشعر لحمه. فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه، فبكى، فأوحى الله عز و جل إليه، يا يحيى، أ تبكي مما قد نحل من جسمك!و عزتي و جلالي لو اطلعت إلى النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج. فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه، و بدت للناظرين أضراسه، فبلغ ذلك امه، فدخلت عليه، و أقبل زكريا (عليه السلام)، و اجتمع الأحبار و الرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه، فقال: ما شعرت بذلك. فقال زكريا (عليه السلام): يا بني، ما يدعوك إلى هذا؟إنما سألت ربي أن يهبك لي لتقر بك عيني. قال: أنت أمرتني بذلك، يا أبت. قال: و متى ذلك، يا بني. قال: أ لست القائل: إن بين الجنة و النار لعقبة لا يجوزها إلا البكاءون من خشية الله؟قال: بلى؟فجد و اجتهد، و شأنك غير شأني. فقام يحيى فنفض مدرعته، فأخذته امه، فقالت: أ تأذن لي-يا بني-أن أتخذ لك قطعتي لبود تواريان أضراسك، و تنشفان دموعك؟قال لها: شأنك، فاتخذت له قطعتي لبود تواريان أضراسه، و تنشفان دموعه، فبكى حتى ابتلتا من دموع عينيه. فحسر عن ذراعيه، ثم أخذهما فعصرهما، فتحدرت الدموع من بين أصابعه، فنظر زكريا إلى ابنه، و إلى دموع عينيه، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم إن هذا ابني، و هذه دموع عينيه، و أنت أرحم الراحمين. و كان زكريا (عليه السلام) إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا و شمالا، فإن رأى يحيى (عليه السلام) لم يذكر جنة و لا نارا، فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل، و أقبل يحيى و قد لف رأسه بعباءة، فجلس في غمار الناس، و التفت زكريا يمينا و شمالا فلم ير يحيى (عليه السلام)، فأنشأ يقول: حدثني حبيبي جبرئيل عن الله تبارك و تعالى: أن في جهنم جبلا يقال له السكران، و في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان، لغضب الرحمن تبارك و تعالى، في ذلك الوادي جب قامته مائة عام، في ذلك الجب توابيت من نار، في تلك التوابيت صناديق من نار، و ثياب من نار، و سلاسل من نار، و أغلال من نار. فرفع يحيى (عليه السلام) رأسه، فقال: وا غفلتاه عن (السكران). ثم أقبل هائما على وجهه، فقام زكريا (عليه السلام) من مجلسه، فدخل على ام يحيى، فقال لها: يا ام يحيى، قومي فاطلبي يحيى، فإني قد تخوفت أن لا نراه إلا و قد ذاق الموت. فقامت، فخرجت في طلبه حتى مرت بفتيان من بني إسرائيل، فقالوا لها: يا ام يحيى، أين تريدين؟ قالت: أريد أن أطلب ولدي يحيى، ذكرت النار بين يديه، فهام على وجهه. فمضت ام يحيى و الفتية معها، حتى مرت براعي غنم، فقالت له: يا راعي، هل رأيت شابا من صفته كذا و كذا؟فقال لها: لعلك تطلبين يحيى بن زكريا؟قالت: نعم، ذاك ولدي، ذكرت النار بين يديه، فهام على وجهه، فقال: إني تركته الساعة على عقبة ثنية كذا و كذا، ناقعا قدميه في الماء، رافعا نظره إلى السماء، يقول: و عزتك- يا مولاي-لا ذقت بارد الشراب حتى أنظر إلى منزلتي منك. فأقبلت امه، فلما رأته ام يحيى دنت منه، فأخذت برأسه، فوضعته بين يديها، و هي تناشده بالله ينطلق معها إلى المنزل، فانطلق معها حتى أتى المنزل، فقالت له امه: هل لك أن تخلع مدرعة الشعر، و تلبس مدرعة الصوف، فإنه ألين؟ففعل، و طبخ له عدس، فأكل و استوفى، فنام، فذهب به النوم فلم يقم لصلاته، فنودي في منامه: يا يحيى بن زكريا أردت دارا خيرا من داري، و جوارا خيرا من جواري؟فاستيقظ فقام، فقال: يا رب، أقلني عثرتي، إلهي فو عزتك لا أستظل[بظل]سوى بيت المقدس. و قال لامه: ناوليني مدرعة الشعر، فقد علمت أنكما ستورداني المهالك. فتقدمت امه فدفعت إليه المدرعة، و تعلقت به، فقال لها زكريا (عليه السلام): يا ام يحيى، دعيه، فإن ولدي قد كشف له عن قناع قلبه، و لن ينتفع بالعيش. فقام يحيى (عليه السلام)، فلبس مدرعته، و وضع البرنس على رأسه، ثم أتى بيت المقدس، فجعل يعبد الله عز و جل مع الأحبار حتى كان من أمره ما كان».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — وَ زَكَرِيََّا إِذْ نََادىََ رَبَّهُ -إلى قوله تعالى- وَ يَدْعُونَنََا رَغَباً وَ رَهَباً [89-90] 7189/ -و في رواية علي بن إبراهيم في وَ زَكَرِيََّا إِذْ نََادىََ رَبَّهُ رَبِّ لاََ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوََارِثِينَ فَاسْتَجَبْنََا لَهُ وَ وَهَبْنََا لَهُ يَحْيىََ وَ أَصْلَحْنََا لَهُ زَوْجَهُ قال: كانت لا تحيض فحاضت. · سورة الأنبياء