محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، و محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل الله عز و جل عليه: ﴿وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلىََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم، بأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة و أهل العوالي و الأعراب، فاجتمعوا لحج رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و إنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون به و يتبعونه، أو يصنع شيئا فيصنعونه. فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس، فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلى فيه الظهر، و عزم بالحج مفردا، و خرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول، فصف له سماطان، فلبى بالحج مفردا، و ساق الهدي ستا و ستين أو أربعا و ستين، حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام). ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، و قد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: إن الصفا و المروة من شعائر الله، فابدأ بما بدأ الله عز و جل؛ و إن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا و المروة شيء صنعه المشركون، فأنزل الله عز و جل: ﴿إِنَّ اَلصَّفََا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اَللََّهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا﴾. ثم أتى الصفا فصعد عليه، و استقبل الركن اليماني، فحمد الله و أثنى عليه، و دعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلا، ثم انحدر إلى المروة فوقف عليها، كما توقف على الصفا، ثم انحدر و عاد إلى الصفا فوقف عليها، ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه. فلما فرغ من سعيه و هو على المروة، أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: إن هذا جبرئيل-و أومأ بيده إلى خلفه-يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، و لكني سقت الهدي، و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله». قال: «فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجا و رؤوسنا و شعورنا تقطر. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): أما إنك لن تؤمن بهذا أبدا. فقال: سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا، أم لما يستقبل؟فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): بل هو للأبد إلى يوم القيامة. ثم شبك أصابعه، و قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». قال: «و قدم علي (عليه السلام) من اليمن على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو بمكة، فدخل على فاطمة (عليها السلام) و قد أحلت، فوجد ريحا طيبا، و وجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا، يا فاطمة؟فقالت: أمرنا بهذا رسول الله (صلى الله عليه و آله). فخرج علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) مستفتيا، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فاطمة قد أحلت، و عليها ثياب مصبوغة؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أنا أمرت الناس بذلك، فأنت-يا علي-بما أهللت؟قال: يا رسول الله، إهلالا كإهلال النبي (صلى الله عليه و آله). فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): قر على إحرامك مثلي، و أنت شريكي في هديي». قال: «و نزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمكة بالبطحاء هو و أصحابه، و لم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا و يهلوا بالحج، و هو قول الله عز و جل الذي انزل على نبيه (صلى الله عليه و آله):
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الثالث — فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ يعني نداء إبراهيم (عليه السلام) على المقام بالحج. · سورة الحج