محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا، و لا تعرفون حتى تصدقوا، و لا تصدقون حتى تسلموا، أبوابا أربعة، لا يصلح أولها إلا بآخرها، ضل أصحاب الثلاثة و تاهوا تيها بعيدا، إن الله تبارك و تعالى لا يقبل إلا العمل الصالح، و لا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط و العهود، فمن وفى لله عز و جل بشرطه، و استعمل ما وصف في عهده، نال ما عنده، و استكمل ما وعده. إن الله تبارك و تعالى أخبر العباد بطرق الهدى، و شرع لهم فيها المنار، و أخبرهم كيف يسلكون، فقال: ﴿وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدىََ﴾، و قال: ﴿إِنَّمََا يَتَقَبَّلُ اَللََّهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ﴾ فمن اتقى الله فيما أمره، لقي الله مؤمنا بما جاء به محمد (صلى الله عليه و آله). هيهات هيهات، فات قوم و ماتوا قبل أن يهتدوا، فظنوا أنهم آمنوا، و أشركوا من حيث لا يعلمون، إنه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى، و من أخذ في غيرها سلك طريق الردى، و صل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله (صلى الله عليه و آله)، و طاعة رسوله (صلى الله عليه و آله) بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله و لا رسوله، و هو الإقرار بما انزل من عند الله عز و جل، خذوا زينتكم عند كل مسجد، و التمسوا البيوت التي أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه، فإنه أخبركم أنهم: ﴿رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ وَ إِيتََاءِ اَلزَّكََاةِ يَخََافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَ اَلْأَبْصََارُ﴾. إن الله قد استخلص الرسل لأمره، ثم استخلصهم مصدقين بذلك في نذره، فقال: ﴿وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ﴾ تاه من جهل، و اهتدى من أبصر و عقل، إن الله عز و جل يقول: ﴿فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ﴾، و كيف يهتدي من لم يبصر. و كيف يبصر من لم يتدبر؟ اتبعوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أهل بيته، و أقروا بما أنزل الله، و اتبعوا آثار الهدى، فإنهم علامات الأمانة و التقى، و اعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى بن مريم (عليه السلام) و أقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن، اقتصوا الطريق بالتماس المنار، و التمسوا من وراء الحجب الآثار، تستكملوا أمر دينكم، و تؤمنوا بالله ربكم». عنه: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت جالسا في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)، إذ أقبل رجل فسلم، فقال: من أنت، يا عبد الله؟فقلت: رجل من أهل الكوفة، فما حاجتك؟فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي؟فقلت: نعم، فما حاجتك إليه؟قال: هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها، فما كان من حق أخذته، و ما كان من باطل تركته. قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحق و الباطل؟قال: نعم. قلت: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق و الباطل؟فقال لي: يا أهل الكوفة، أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفر فأخبرني، فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر (عليه السلام)، و حوله أهل خراسان و غيرهم، يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه، و جلس الرجل قريبا منه. قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام، و حوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم و انصرفوا، التفت إلى الرجل، فقال له: «من أنت؟» قال: أنا قتادة بن دعامة البصري، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «أنت فقيه أهل البصرة؟» قال: نعم. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «ويحك يا قتادة، إن الله عز و جل خلق خلقا من خلقه، فجعلهم حججا على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه». قال: فسكت قتادة طويلا، ثم قال: أصلحك الله، و الله لقد جلست بين يدي الفقهاء، و قدام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ويحك أ تدري أين أنت؟أنت بين يدي ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ إِقََامِ اَلصَّلاََةِ وَ إِيتََاءِ اَلزَّكََاةِ﴾ فأنت ثم، و نحن أولئك». فقال له قتادة: صدقت و الله، جعلني الله فداك، و الله ما هي بيوت حجارة و لا طين. قال قتادة: فأخبرني عن الجبن. قال: فتبسم أبو جعفر (عليه السلام)، ثم قال: «رجعت مسائلك إلى هذا!» فقال: ضلت عني، فقال: «لا بأس به». فقال: إنه ربما جعلت فيه إنفحة الميت. فقال: «ليس بها بأس، إن الإنفحة ليس فيها عروق، و لا فيها دم، و لا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث و دم-ثم قال-و إن الإنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة، فهل تؤكل تلك البيضة؟» فقال قتادة: لا، و لا آمر بأكلها، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «و لم؟» قال: لأنها من الميتة. قال له: «فإن حضنت تلك البيضة، فخرجت منها دجاجة، أ تأكلها؟» قال: نعم. قال: «فما حرم عليك البيضة، و حلل لك الدجاجة؟» -ثم قال (عليه السلام) -فكذلك الإنفحة مثل البيضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمين، من أيدي المصلين، و لا تسأل عنه، إلا أن يأتيك من يخبرك عنه». عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أسباط بن سالم، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فسألنا عن عمر بن مسلم، ما فعل؟فقلت: صالح، و لكنه قد ترك التجارة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «عمل الشيطان-ثلاثا-أما علم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) اشترى عيرا أتت من الشام، فاستفضل فيها ما قضى دينه، و قسم في قرابته؟يقول الله عز و جل: ﴿رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ﴾ -إلى آخر الآية-يقول القصاص: إن القوم لم يكونوا يتجرون؛ كذبوا، و لكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، و هو أفضل ممن حضر الصلاة و لم يتجر. عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسين بن بشار، عن رجل، رفعه، في قول الله عز و جل: ﴿رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ﴾، قال: «هم التجار الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله عز و جل، إذا دخلت مواقيت الصلاة، أدوا إلى الله حقه فيها». عنه: عن حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن أبان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، قال: «هي بيوت النبي (صلى الله عليه و آله)».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ -إلى قوله تعالى- وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ [36-38] · سورة النور