علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لما بعث الله موسى (عليه السلام) إلى فرعون أتى بابه، فاستأذن عليه، فلم يأذن له، فضرب بعصاه الباب، فاصطكت الأبواب ففتحت، ثم دخل على فرعون، فأخبره أنه رسول الله، و سأله أن يرسل معه بني إسرائيل. فقال له فرعون، كما حكى الله: ﴿أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينََا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينََا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ﴾ أي قتلت الرجل ﴿وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ﴾ يعني كفرت نعمتي. قال موسى، كما حكى الله: ﴿فَعَلْتُهََا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضََّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمََّا خِفْتُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرََائِيلَ﴾ فـ ﴿قََالَ فِرْعَوْنُ وَ مََا رَبُّ اَلْعََالَمِينَ﴾ ؟و إنما سأله عن كيفية الله، فقال موسى: ﴿رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، فقال فرعون-متعجبا-لأصحابه: ﴿أَ لاََ تَسْتَمِعُونَ﴾ أسأله عن الكيفية، فيجيبني عن الصفات؟!فقال موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبََائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ قال فرعون لأصحابه: اسمعوا، قال: ربكم و رب آبائكم الأولين ! ثم قال لموسى: ﴿لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ﴾ قال موسى: ﴿أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾. قال فرعون: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ فَأَلْقىََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ﴾ فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب، و دخل فرعون من الرعب ما لم يملك به نفسه فقال فرعون: نشدتك بالله، و بالرضاع، إلا ما كففتها عني، فكفها، ثم نزع يده، فإذا هي بيضاء للناظرين، فلما أخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه، و هم بتصديقه، فقام إليه هامان، فقال له: بينما أنت إله تعبد، إذ صرت تابعا لعبد! ثم قال فرعون للملأ الذين حوله: ﴿إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمََا ذََا تَأْمُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِمِيقََاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. و كان فرعون و هامان قد تعلما السحر، و إنما غلبا الناس بالسحر، و ادعى فرعون الربوبية بالسحر، فلما أصبح بعث في المدائن حاشرين، مدائن مصر كلها، و جمعوا ألف ساحر، و اختاروا من الألف مائة، و من المائة ثمانين، فقال السحرة لفرعون: قد علمت أنه ليس في الدنيا أسحر منا، فإن غلبنا موسى فما يكون لنا عندك؟قال: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي، أشارككم في ملكي. قالوا: فإن غلبنا موسى، و أبطل سحرنا، علمنا أن ما جاء به ليس من قبل السحر، و لا من قبل الحيلة، و آمنا به، و صدقناه. فقال فرعون: إن غلبكم موسى، صدقته أنا أيضا معكم، و لكن أجمعوا كيدكم، أي حيلتكم». قال: «و كان موعدهم يوم عيد لهم، فلما ارتفع النهار من ذلك اليوم، جمع فرعون الخلق، و السحرة، و كانت له قبة طولها في السماء ثمانون ذراعا، و قد كانت كسيت بالحديد و الفولاذ المصقول، فكانت إذا وقعت الشمس عليها، لم يقدر أحد أن ينظر إليها، من لمع الحديد، و وهج الشمس، و جاء فرعون و هامان، و قعدا عليها ينظران، و أقبل موسى ينظر إلى السماء، فقالت السحرة لفرعون: إنا نرى رجلا ينظر إلى السماء، و لن يبلغ سحرنا إلى السماء، و ضمنت السحرة من في الأرض. فقالوا لموسى: ﴿إِمََّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمََّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ اَلْمُلْقِينَ﴾ قال لهم موسى: ﴿أَلْقُوا مََا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبََالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ﴾ فأقبلت تضطرب، و صالت مثل الحيات، و هاجت، فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنََّا لَنَحْنُ اَلْغََالِبُونَ﴾. فهال الناس ذلك، فأوجس في نفسه خيفة موسى، فنودي: ﴿لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلىََ وَ أَلْقِ مََا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا إِنَّمََا صَنَعُوا كَيْدُ سََاحِرٍ وَ لاََ يُفْلِحُ اَلسََّاحِرُ حَيْثُ أَتىََ﴾. فألقى موسى عصاه، فذابت في الأرض مثل الرصاص، ثم طلع رأسها، و فتحت فاها، و وضعت شدقها الأعلى على رأس قبة فرعون، ثم دارت، و أرخت شفتها السفلى، و التقمت عصي السحرة، و حبالها، و غلب كلهم، و انهزم الناس حين رأوها، و عظمها، و هولها، مما لم تر العين، و لا وصف الواصفون مثله قبل، فقتل في الهزيمة، من وطء الناس بعضهم بعضا، عشرة آلاف رجل و امرأة و صبي، و دارت على قبة فرعون-قال-فأحدث فرعون و هامان في ثيابهما، و شاب رأسهما، و غشي عليهما من الفزع. و مر موسى في الهزيمة مع الناس، فناداه الله: ﴿خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولىََ﴾، فرجع موسى، و لف على يده عباءة كانت عليه، ثم أدخل يده في فيها، فإذا هي عصا كما كانت، فكان كما قال الله:
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — وَ إِذْ نََادىََ رَبُّكَ مُوسىََ أَنِ اِئْتِ اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ -إلى قوله تعالى- فَكََانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ [10-63] · سورة الشعراء