محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، و عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: ﴿الم غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ﴾. فقال: «يا أبا عبيدة، إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله، و الراسخون في العلم من آل محمد (صلى الله عليه و آله)، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما هاجر إلى المدينة و أظهر الإسلام، كتب إلى ملك الروم كتابا، و بعث به مع رسول يدعوه إلى الإسلام، و كتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الإسلام، و بعثه إليه مع رسوله، فأما ملك الروم فعظم كتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و أكرم رسوله، و أما ملك فارس فإنه استخف بكتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و مزقه، و استخف برسوله. و كان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، و كان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، و كانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون و اغتموا به، فأنزل الله عز و جل بذلك كتابا قرآنا: ﴿الم غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ﴾ يعني غلبتها فارس في أدنى الأرض، و هي الشامات و ما حولها ﴿وَ هُمْ﴾ يعني فارس ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ الروم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يعني يغلبهم المسلمون ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اَللََّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشََاءُ﴾، فلما غزا المسلمون فارس و افتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عز و جل». قال: قلت: أليس الله عز و جل يقول: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، و قد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و في إمارة أبي بكر، و إنما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر؟ فقال: «ألم أقل لكم أن لهذا تأويلا و تفسيرا، و القرآن-يا أبا عبيدة-ناسخ و منسوخ، أما تسمع لقول الله عز و جل: ﴿لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ﴾ ؟يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخر ما قدم، و يقدم ما أخر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عز و جل: ﴿وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اَللََّهِ﴾، يوم يحتم القضاء بنصر الله».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ الم غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اَللََّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشََاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ [1-5] · سورة الروم