ابن بابويه، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن نصر البخاري المقرئ، قال: حدثنا أبو عبد الله الكوفي العلوي الفقيه بفرغانة، بإسناد متصل إلى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، أنه سئل عن قول الله عز و جل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ﴾، فقال: «الظالم يحوم حوم نفسه، و المقتصد يحوم حوم قلبه، و السابق يحوم حوم ربه عز و جل». عنه، قال: حدثنا أحمد بن الحسان القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الحسين السكري، قال: أخبرنا محمد بن زكريا الجوهري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عز و جل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ﴾، فقال: «الظالم لنفسه: من لا يعرف حق الإمام، و المقتصد: العارف بحق الإمام، و السابق بالخيرات بإذن الله: هو الإمام، ﴿جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا﴾ يعني السابق و المقتصد». عنه، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى البجلي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو عوانة موسى بن يوسف الكوفي، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى، عن يعقوب بن يحيى، عن أبي حفص، عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت جالسا في المسجد الحرام مع أبي جعفر (عليه السلام) إذ أتاه رجلان من أهل البصرة، فقالا له: يا ابن رسول الله، إنما نريد أن نسألك عن مسألة فقال لهما: «سلا عما شئتما». قالا: أخبرنا عن قول الله عز و جل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾، إلى آخر الآيتين، قال: «نزلت فينا أهل البيت». قال أبو حمزة الثمالي، فقلت: بأبي أنت و أمي، فمن الظالم لنفسه منكم؟قال: «من استوت حسناته و سيئاته منا أهل البيت، فهو الظالم لنفسه». فقلت: من المقتصد منكم؟قال: «العابد لله في الحالين حتى يأتيه اليقين». فقلت: فمن السابق منكم بالخيرات؟قال: «من دعا-و الله-إلى سبيل ربه، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و لم يكن للمضلين عضدا، و لا للخائنين خصيما، و لم يرض بحكم الفاسقين، إلا من خاف على نفسه و دينه و لم يجد أعوانا». عنه، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، و جعفر بن محمد بن مسرور (رضي الله عنهما)، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، قال: حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو و قد اجتمع إليه في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق و خراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا﴾، فقالت العلماء: أراد الله عز و جل بذلك الامة كلها. فقال المأمون: ما تقول، يا أبا الحسن؟فقال الرضا (عليه السلام): «لا أقول كما قالوا، و لكن أقول: أراد الله عز و جل بذلك العترة الطاهرة». فقال المأمون: و كيف عنى العترة من دون الامة؟فقال له الرضا (عليه السلام): «لو أراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة لقول الله تبارك و تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾، ثم جمعهم كلهم في الجنة، فقال عز و جل: ﴿جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم». فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟فقال الرضا (عليه السلام): «الذين وصفهم الله في كتابه، فقال عز و جل: ﴿إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، و هم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. أيها الناس، لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم». قالت العلماء: أخبرنا-يا أبا الحسن-عن العترة: هم الآل، أم غير الآل؟فقال الرضا (عليه السلام): «هم الآل». قالت العلماء: و هذا رسول الله (صلى الله عليه و آله) يؤثر عنه أنه قال: «امتي آلي» و هؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: الآل أمته. فقال أبو الحسن (عليه السلام): «أخبروني: هل تحرم الصدقة على الآل؟». قالوا: نعم. قال: «فتحرم على الامة؟» قالوا: لا. قال: «هذا فرق بين الآل و الامة. ويحكم، أين يذهب بكم، أ ضربتم عن الذكر صفحا، أم أنتم قوم مسرفون، أما علمتم أنه وقعت الوراثة و الطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟!» قالوا: من أين، يا أبا الحسن؟ قال: «من قول الله عز و جل: ﴿وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً وَ إِبْرََاهِيمَ وَ جَعَلْنََا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتََابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فََاسِقُونَ﴾، فصارت وراثة[النبوة و]الكتاب للمهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا (عليه السلام) حين سأل ربه عز و جل، فقال: ﴿إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ اَلْحََاكِمِينَ﴾ و ذلك أن الله عز و جل و عده أن ينجيه و أهله، فقال له: ﴿يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ﴾ ؟». و الحديث طويل أخذنا ذلك منه، و ربما ذكرنا منه في هذا الكتاب في مواضع تليق به.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا، فنحن الذين اصطفانا الله عز و جل، ثم أورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء». · سورة فاطر