ابن بابويه، قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن داود بن كثير الرقي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيهما كان أكبر: إسماعيل، أو إسحاق، و أيهما كان الذبيح؟ فقال: «كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين، و كان الذبيح إسماعيل، و كانت مكة منزل إسماعيل، و إنما أراد إبراهيم أن يذبح إسماعيل أيام الموسم بمنى. قال: و كان بين بشارة الله إبراهيم بإسماعيل و بين بشارته بإسحاق خمس سنين، أما تسمع لقول إبراهيم (عليه السلام)، حيث يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصََّالِحِينَ﴾ ؟إنما سأل الله عز و جل أن يرزقه غلاما من الصالحين، و قال في سورة الصافات: ﴿فَبَشَّرْنََاهُ بِغُلاََمٍ حَلِيمٍ﴾، يعني إسماعيل من هاجر. قال: ففدى إسماعيل بكبش عظيم». فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «ثم قال: ﴿وَ بَشَّرْنََاهُ بِإِسْحََاقَ نَبِيًّا مِنَ اَلصََّالِحِينَ وَ بََارَكْنََا عَلَيْهِ وَ عَلىََ إِسْحََاقَ﴾ يعني بذلك إسماعيل قبل البشارة بإسحاق، فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل، و أن الذبيح إسحاق فقد كذب بما أنزل الله عز و جل في القرآن من نبأهما». عنه، قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار بنيسابور، في شعبان سنة اثنين و خمسين و ثلاث مائة، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «لما أمر الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه، تمنى إبراهيم (عليه السلام) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) بيده، و أنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح[أعز]ولده بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب. فأوحى الله عز و جل إليه: يا إبراهيم، من أحب خلقي إليك؟فقال: يا رب، ما خلقت خلقا أحب إلي من حبيبك محمد. فأوحى الله عز و جل إليه: يا إبراهيم، فهو أحب إليك، أو نفسك؟فقال: بل هو أحب إلي من نفسي. قال: فولده أحب إليك، أو ولدك؟قال: بل ولده. قال: فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟قال: يا رب، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم، إن طائفة تزعم أنها من امة محمد، ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما و عدوانا، كما يذبح الكبش، فيستوجبون بذلك غضبي. فجزع إبراهيم (عليه السلام) لذلك، و توجع قلبه، و أقبل يبكي، فأوحى الله عز و جل إليه: يا إبراهيم، قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين و قتله، و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب. فذلك قول الله عز و جل: ﴿وَ فَدَيْنََاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾». عنه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن معنى قول النبي (صلى الله عليه و آله): «أنا ابن الذبيحين». قال: «يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليه السلام) و عبد الله بن عبد المطلب. أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله تعالى به إبراهيم (عليه السلام)، فلما بلغ معه السعي، قال: يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى؟قال: يا أبت افعل ما تؤمر-و لم يقل له: يا أبت افعل ما رأيت-ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فلما عزم على ذبحه فداه الله تعالى بذبح عظيم، بكبش أملح، يأكل في سواد، و يشرب في سواد، و ينظر في سواد، و يمشي في سواد، و يبول و يبعر في سواد، و كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، و ما خرج من رحم أنثى. و إنما قال الله عز و جل له: كن؛ فكان، ليفدي به إسماعيل (عليه السلام) فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين. و أما الآخر فإن عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة، و دعا الله عز و جل أن يرزقه عشرة بنين، و نذر لله عز و جل أن يذبح واحدا منهم متى أجاب الله دعوته، فلما بلغوا عشرة، قال: قد وفى الله لي، فلأفين لله عز و جل. فأدخل ولده الكعبة، و أسهم بينهم، فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و كان أحب ولده إليه، ثم أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله، ثم أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله، فأخذه و حبسه، و عزم على ذبحه، فاجتمعت قريش و منعته من ذلك، و اجتمع نساء عبد المطلب يبكين و يصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه، أعذر فيما بينك و بين الله عز و جل في قتل ابنك. قال: كيف اعذر-يا بنية-فإنك مباركة. قالت: أعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم، فاضرب بالقداح على ابنك و على الإبل، و اعط ربك حتى يرضى. فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها، و عزل منها عشرا، و ضرب بالسهام، فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشرا عشرا حتى بلغت مائة، فضرب فخرج السهم على الإبل فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة، فقال عبد المطلب: لا، حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات، فضرب ثلاثا، كل ذلك يخرج السهم على الإبل. فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير، و أبو طالب، و إخوانهما من تحت رجليه، فحملوه و قد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض، و أقبلوا يرفعونه، و يقبلونه، و يمسحون عنه التراب، و أمر عبد المطلب أن تنحر الإبل بالحزورة، و لا يمنع أحد منها، و كانت مائة. و كانت لعبد المطلب خمس من السنن، أجراها الله عز و جل في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء، و سن الدية في القتل مائة من الإبل، و كان يطوف بالبيت سبعة أشواط، و وجد كنزا فأخرج منه الخمس، و سمى زمزم حين حفرها سقاية الحاج. و لو لا أن عبد المطلب كان حجة، و أن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم (عليه السلام) على ذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام)، لما افتخر النبي (صلى الله عليه و آله) بالانتساب إليهما لأجل أنهما الذبيحان، في قوله (صلى الله عليه و آله): أنا ابن الذبيحين. و العلة التي من أجلها دفع الله عز و جل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، و هي كون النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) في صلبهما، فبركة النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم، و لو لا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، و كل ما يتقرب به الناس إلى الله عز و جل من أضحية فهو فداء لإسماعيل (عليه السلام) إلى يوم القيامة». ثم قال محمد بن بابويه: اختلفت الروايات في الذبيح: فمنها ما ورد بأنه إسحاق، و منها ما ورد أنه إسماعيل (عليه السلام)، و لا سبيل إلى رد الأخبار التي صح طرقها، و كان الذبيح إسماعيل (عليه السلام)، لكن إسحاق (عليه السلام) لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه، فكان يصبر لأمر الله تعالى و يسلم له كصبر أخيه و تسليمه، فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عز و جل ذلك من قلبه فسماه الله عز و جل بين الملائكة ذبيحا لتمنيه لذلك. و قد أخرجت الخبر في ذلك مسندا في كتاب (النبوة). عنه، في كتاب (الخصال): حدثني بذلك-إشارة إلى ما ذكرناه عنه-محمد بن علي البشاري القزويني (رضي الله عنه)، قال: حدثنا المظفر بن أحمد القزويني، قال: حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن عبد الله بن داهر، عن أبي قتادة الحراني، عن وكيع بن الجراح، عن سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام): «و قول النبي (صلى الله عليه و آله): أنا ابن الذبيحين؛ يريد بذلك العلم، لأن العم قد سماه الله عز و جل أبا، في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدََاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ اَلْمَوْتُ إِذْ قََالَ لِبَنِيهِ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قََالُوا نَعْبُدُ إِلََهَكَ وَ إِلََهَ آبََائِكَ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ﴾، و كان إسماعيل عم يعقوب فسماه الله في كتابه أبا، و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله): العلم والد». قول النبي (صلى الله عليه و آله): «أنا ابن الذبيحين». أحدهما ذبيح بالحقيقة، و الآخر ذبيح بالمجاز، و استحقاق الثواب على النية و التمني، فالنبي (صلى الله عليه و آله) هو ابن الذبيحين من وجهين، على ما ذكرناه.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصََّالِحِينَ فَبَشَّرْنََاهُ بِغُلاََمٍ حَلِيمٍ فَلَمََّا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قََالَ يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرىََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرىََ -إلى قوله تعالى- وَ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [100-113] · سورة الصافات