أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، أنه قال: «قال بعض المخالفين بحضرت الصادق (عليه السلام) لرجل من الشيعة: ما تقول في العشرة من الصحابة؟قال: أقول فيهم الخير الجميل الذي يحط الله به سيئاتي و يرفع به درجاتي. قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك، كنت أظنك رافضيا تبغض الصحابة!فقال: من أبغض ألا من أبغض واحدا من الصحابة فعليه لعنة الله، قال: لعلك تتأول ما تقول في من أبغض العشرة من الصحابة؟فقال: من أبغض العشرة من الصحابة فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين. فوثب فقبل رأسه، و قال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل اليوم، قال: أنت في حل و أنت أخي. ثم انصرف السائل، و قال له الصادق (عليه السلام): جودت، لله درك، لقد عجبت الملائكة في السماوات من حسن توريتك، و تلفظك بما خلصك الله، و لم تثلم دينك، و زاد الله في مخالفينا غما إلى غم، و حجب عنهم مراد منتحلي مودتنا في أنفسهم. فقال بعض أصحاب الصادق (عليه السلام): يا ابن رسول الله، ما عقلنا من كلام هذا إلا موافقة صاحبنا لهذا المتعنت الناصب، فقال الصادق (عليه السلام): لئن كنتم لم تفهموا ما عنى فقد فهمناه نحن، و قد شكره الله له، إن الموالي لأوليائنا، المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه وفقه لجواب يسلم معه دينه و عرضه، و يعصمه الله بالتقية، إن صاحبكم هذا قال: من عاب واحدا منهم، فعليه لعنة الله، أي من عاب واحدا منهم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و قال في الثانية: من عابهم أو شتمهم فعليه لعنة الله، و قد صدق، لأن من عابهم فقد عاب عليا (عليه السلام) لأنه أحدهم، فإذا لم يعب عليا (عليه السلام) و لم يذمه، فلم يعبهم، و إنما عاب بعضهم. و لقد كان لحزقيل المؤمن مع قوم فرعون الذين وشوا به إلى فرعون مثل هذه التورية. كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله و نبوة موسى، و تفضيل محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على جميع رسل الله و خلقه، و تفضيل علي ابن أبي طالب (عليه السلام) و الخيار من الأئمة على سائر أوصياء النبيين و إلى البراءة من ربوبية فرعون، فوشى به الواشون إلى فرعون، و قالوا: إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك و يعين أعدائك على مضادتك، فقال لهم فرعون: إنه ابن عمي، و خليفتي على ملكي، و ولي عهدي، إن فعل ما قلتم فقد استحق العذاب على كفره لنعمتي، و إن كنتم كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لإيثاركم الدخول في مساءته. فجاء بحزقيل و جاء بهم فكاشفوه، و قالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك و تكفر نعماءه، فقال حزقيل: أيها الملك، هل جربت علي كذبا قط؟قال: لا، قال: فسلهم من ربهم؟قالوا: فرعون. قال: و من خالقكم؟قالوا: فرعون هذا. قال: و من رازقكم، الكافل لمعايشكم، و الدافع عنكم مكارهكم؟قالوا: فرعون هذا. قال حزقيل: أيها الملك فأشهدك و من حضرك أن ربهم هو ربي، و خالقهم هو خالقي، و رازقهم هو رازقي، و مصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا رب لي و لا خالق و لا رازق غير ربهم و خالقهم و رازقهم، و أشهدك و من حضرك أن كل رب و خالق و رازق سوى ربهم و خالقهم و رازقهم فأنا بريء منه و من ربوبيته، و كافر بإلهيته. يقول حزقيل هذا و هو يعني أن ربهم هو الله ربي، و لم يقل: إن الذي قالوا هم إنه ربهم هو ربي، و خفي هذا المعنى على فرعون و من حضره و توهموا أنه يقول: فرعون ربي و خالقي و رازقي، و قال لهم: يا رجال السوء، و يا طلاب الفساد في ملكي، و مريدي الفتنة بيني و بين ابن عمي و عضدي، أنتم المستحقون لعذابي، لإرادتكم فساد أمري، و إهلاك ابن عمي، و الفت في عضدي. ثم أمر بالأوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتد، و في صدره وتد، و أمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى: ﴿فَوَقََاهُ اَللََّهُ﴾ يعني حزقيل ﴿سَيِّئََاتِ مََا مَكَرُوا﴾ لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه ﴿وَ حََاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذََابِ﴾ و هم الذين وشوا بحزقيل إليه، لما أوتد فيهم الأوتاد، و مشط من أبدانهم لحومهم بالأمشاط».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — فَوَقََاهُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِ مََا مَكَرُوا وَ حََاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذََابِ [45] · سورة المؤمن