أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، في (كامل الزيارات)، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن عبد الله بن بكر الأرجاني، قال: صحبت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة من المدينة، فنزلنا منزلا يقال له: عسفان، ثم مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق وحش، فقلت له: يا ابن رسول، ما أوحش هذا الجبل!ما رأيت في الطريق مثل هذا. فقال لي: «يا ابن بكر، أ تدري أي جبل هذا؟» قلت: لا. قال: «هذا جبل يقال له الكمد، و هو على واد من أودية جهنم، و فيه قتلة أبي الحسين (عليه السلام)، استودعهم الله فيه، تجري من تحتهم مياه جهنم من الغسلين و الصديد و الحميم و ما يخرج من جب الخزي، و ما يخرج من الفلق، و ما يخرج من أثام، و ما يخرج من طينة خبال، و ما يخرج من جهنم، و ما يخرج من لظى، و ما يخرج من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الجحيم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير، و ما مررت بهذا الجبل في سفري فوقفت به إلا رأيتهما يستغيثان و إني لأنظر إلى قتلة أبي، و أقول لهما: إنما هؤلاء فعلوا ما أسستما، لم ترحمونا إذ وليتم، و قتلتمونا و حرمتمونا، و وثبتم على حقنا، و استبددتم بالأمر دوننا، فلا رحم الله من يرحمكما، ذوقا وبال ما قدمتما، و ما الله بظلام للعبيد. و أشدهما تضرعا و استكانة الثاني، فربما وقفت عليهما ليتسلى عني بعض ما في قلبي، و ربما طويت الجبل الذي هما فيه و هو جبل الكمد». قال: قلت له: جعلت فداك، فإذا طويت الجبل، فما تسمع؟قال: «أسمع أصواتهما يناديان: عرج علينا نكلمك، فإنا نتوب؛ و اسمع من الجبل صارخا يصرخ بي: أجبهما و قل لهما: اخسؤوا فيها و لا تكلمون». قال: قلت له: جعلت فداك، و من معهم؟قال: «كل فرعون عتا على الله و حكى الله عنه فعاله، و كل من علم العباد الكفر». و قلت له: جعلت فداك، فأنت تسمع هذا كله و لا تفزع؟قال: «يا ابن بكر، إن قلوبنا غير قلوب الناس، [إنا مطيعون مصفون مصطفون، نرى ما لا يرى الناس، و نسمع ما لا يسمع الناس]، و إن الملائكة تنزل علينا في رحالنا، و تتقلب على فرشنا، و تشهد طعامنا، و تحضر موتنا، و تأتينا بأخبار ما يحدث قبل أن يكون، و تصلي معنا، و تدعو لنا، و تلقي علينا أجنحتها، و تتقلب على أجنحتها صبياننا، و تمنع الدواب أن تصل إلينا، و تأتينا مما في الأرضين من كل نبات في زمانه، و تسقينا من ماء كل أرض، نجد ذلك في آنيتنا، و ما من يوم و لا ساعة و لا وقت صلاة إلا و هي تنبهنا لها، و ما من ليلة تأتي علينا إلا و أخبار كل أرض عندنا، و ما يحدث فيها، و أخبار الجن و أخبار [أهل]الهواء من الملائكة، و ما من ملك يموت في الأرض و يقوم غيره مقامه إلا أتتنا بخبره و كيف سيرته في الذين قبله، و ما من أرض من ستة أرضين إلى أرض السابعة إلا و نحن نؤتى بخبرها». فقلت له: جعلت فداك أين ينتهي هذا الجبل؟قال: «إلى الأرض السادسة، و فيها جهنم على واد من أوديتها، عليه حفظة أكثر من نجوم السماء و قطر المطر، و عدد ما في البحار، و عدد الثرى، و قد وكل كل ملك منهم بشيء، و هو مقيم عليه لا يفارقه». قلت له: جعلت فداك، فهل يرى الإمام ما بين المشرق و المغرب؟قال: «يا ابن بكر، فكيف يكون حجة على ما بين قطريها، و هو لا يراهم و لا يحكم فيهم!و كيف يكون حجة على قوم غيب لا يقدر عليهم و لا يقدرون عليه! و كيف يكون مؤديا عن الله و شاهدا على الخلق و هو لا يراهم؟!و كيف يكون حجة عليهم و هو محجوب عنهم، و قد حيل بينهم و بينه أن يقوم بأمر الله فيهم!و الله يقول: ﴿وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً لِلنََّاسِ﴾ يعني به من على الأرض، و الحجة من بعد النبي (صلى الله عليه و آله) يقوم مقام النبي (صلى الله عليه و آله)، و هو الدليل على ما تشاجرت فيه الامة، و الآخذ بحقوق الناس، و القائم بأمر الله، و المنصف لبعضهم من بعض، فإذا لم يكن معهم من ينفذ قوله تعالى، و هو يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فأي آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الآفاق؟و قال تعالى: ﴿وَ مََا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاََّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهََا﴾ فأي آية أكبر منا».
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الرابع — وَ مََا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاََّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهََا [48] · سورة الزخرف