ابن بابويه، قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله)، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، قال: قلت: لأبي جعفر (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتعوذ من البخل؟فقال: «نعم-يا أبا محمد-في كل صباح و مساء، و نحن نتعوذ بالله من البخل، إن الله يقول: ﴿وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ﴾، و سأخبرك عن عاقبة البخل، إن قوم لوط كانوا أهل قرية أشحاء على الطعام، فأعقبهم البخل داء لا دواء له في فروجهم». فقلت: و ما أعقبهم؟فقال: «إن قرية قوم لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام و مصر، فكانت السيارة تنزل بهم فيضيفونهم، فلما كثر عليهم ضاقوا بذلك ذرعا بخلا و لؤما، فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك، و إنما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى ينكل النازل عنهم، فشاع أمرهم في القرية، و حذرهم النازلة، فأورثهم البخل داء لا يستطيعون رفعه عن أنفسهم من غير شهوة لهم إلى ذلك، حتى صاروا يطلبونه من الرجال في البلاد، و يعطونهم عليه الجعل». ثم قال: «فأي داء أدوى من البخل، و لا أضر عاقبة، و لا أفحش عند الله عز و جل؟». قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فهل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا[يعملون]؟فقال: «نعم، إلا بيت من المسلمين، أما تسمع لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ﴾». ثم قال ابو جعفر (عليه السلام): «إن لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، يدعوهم إلى الله عز و جل، و يحذرهم عذابه، و كانوا لا يتنظفون من الغائط و لا يتطهرون من الجنابة، و كان لوط ابن خالة إبراهيم، و كانت امرأة إبراهيم سارة أخت لوط، و كان لوط و إبراهيم نبيين مرسلين منذرين، و كان لوط رجلا سخيا كريما، يقري الضيف إذا نزل به و يحذرهم قومه، فلما رأى قوم لوط ذلك منه، قالوا له: أولم ننهك عن العالمين؟لا تقر ضيفا ينزل بك، إن فعلت فضحنا ضيفك الذي ينزل بك و أخزيناك. فكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، و ذلك أنه لم يكن للوط عشيرة». قال: «و لم يزل لوط و إبراهيم يتوقعان نزول العذاب على قوم لوط، فكانت لإبراهيم و للوط منزلة من الله عز و جل شريفة، و إن الله عز و جل كان إذا أراد عذاب قوم لوط، أدركته مودة إبراهيم و خلته و محبة لوط، فيراقبهم و يؤخر عذابهم». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فلما اشتد أسف الله على قوم لوط، و قدر عذابهم و قضى أن يعوض إبراهيم (عليه السلام) من عذاب قوم لوط بغلام عليم، فيسلي به مصابه بهلاك قوم لوط، فبعث الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسماعيل، فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم، و خاف أن يكونوا سراقا، فلما رأته الرسل فزعا مذعورا، قالوا: سلاما. قال: سلام إنا منكم وجلون. قالوا: لا توجل إنا رسل ربك نبشرك بغلام عليم». قال أبو جعفر (عليه السلام): «و الغلام هو إسماعيل بن هاجر، فقال إبراهيم للرسل: أ بشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون؟قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين، فقال إبراهيم: فما خطبكم بعد البشارة؟قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، قوم لوط، إنهم كانوا قوما فاسقين، لننذرهم عذاب رب العالمين». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فقال إبراهيم (عليه السلام) للرسل: إن فيها لوطا!قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه و أهله أجمعين، إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين». قال: «فلما جاء آل لوط المرسلون، قال: إنكم قوم منكرون!قالوا: بل جئناك بما كانوا فيه قومك من عذاب الله يمترون، و أتيناك بالحق لتنذر قومك العذاب، و إنا لصادقون، فأسر بأهلك يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيام و لياليها، بقطع من الليل، إذا مضى نصف الليل، و لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، انه مصيبها ما أصابهم، و امضوا من تلك الليلة حيث تؤمرون». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فقضوا ذلك الأمر إلى لوط أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فلما كان اليوم الثامن من طلوع الفجر، قدم الله عز و جل رسلا إلى إبراهيم، يبشرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط، و ذلك قوله تعالى: ﴿وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرىََ قََالُوا سَلاََماً قََالَ﴾
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الخامس — هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ اَلْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرََاغَ إِلىََ أَهْلِهِ فَجََاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قََالَ أَ لاََ تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا وَ قََالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ اَلْحَكِيمُ اَلْعَلِيمُ قََالَ فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ قََالُوا إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلىََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ تَرَكْنََا فِيهََا آيَةً لِلَّذِينَ يَخََافُونَ اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ -إلى قوله تعالى- وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ [24-47] · سورة الذاريات