علي بن إبراهيم، قال: نزلت في غزاة المريسيع، و هي غزاة بني المصطلق في سنة خمس من الهجرة، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج إليها، فلما رجع منها نزل على بئر، و كان الماء قليلا فيها، و كان أنس بن سيار حليف الأنصار، و كان جهجاه بن سعيد الغفاري أجيرا لعمر بن الخطاب، فاجتمعوا على البئر، فتعلق دلو [ابن]سيار بدلو جهجاه، فقال[ابن]سيار: دلوي و قال: جهجاه دلوي، فضرب جهجاه يده على وجه[ابن] سيار، فسال منه الدم، فنادى[ابن]سيار بالخزرج، و نادى جهجاه بقريش، و أخذ الناس السلاح، و كاد أن تقع الفتنة، فسمع عبد الله بن أبي النداء، فقال: ما هذا؟فأخبروه بالخبر، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: قد كنت كارها لهذا المسير، إني لأذل العرب، ما ظننت أني أبقى إلى أن أسمع مثل هذا فلا يكون عند تغيير. ثم أقبل على أصحابه، فقال: هذا عملكم، أنزلتموهم منازلكم، و واسيتموهم بأموالكم، و وقيتموهم بأنفسكم، و أبرزتم نحوركم إلى القتل، فأرمل نساؤكم و أيتم صبيانكم، و لو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم، ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، و كان في القوم زيد بن أرقم، و كان غلاما قد راهق، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ظل شجرة، في وقت الهاجرة، و عنده قوم من أصحابه من المهاجرين و الأنصار، فجاء زيد فأخبره بما قال عبد الله بن أبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «لعلك وهمت يا غلام؟» فقال: لا و الله ما وهمت، فقال: «فلعلك غضبت عليه؟» قال: لا و الله ما غضبت عليه، قال: «فلعله سفه عليك؟» فقال: لا و الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لشقران مولاه: «أحدج» فأحدج راحلته و ركب، و تسامع الناس بذلك، فقالوا: ما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليرحل في مثل هذا الوقت، فرحل الناس و لحقه سعد بن عبادة، فقال: السلام عليك يا رسول الله و رحمة الله و بركاته، فقال: «و عليك السلام». فقال: ما كنت لترحل في مثل هذا الوقت؟فقال: «أو ما سمعت قولا قاله صاحبكم؟» قال: و أي صاحب لنا غيرك يا رسول الله؟قال: «عبد الله بن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» فقال: يا رسول الله، أنت و أصحابك الأعز، و هو و أصحابه الأذل. فسار رسول الله (صلى الله عليه و آله) يومه كله لا يكلمه أحد، فأقبلت الخزرج على عبد الله بن أبي يعذلونه، فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يقل شيئا من ذلك، فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى نعتذر إليه، فلوى عنقه، فلما جن الليل سار رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليله كله و النهار، فلم ينزلوا إلا للصلاة، فلما كان من الغد نزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و نزل أصحابه، و قد أمهدهم الأرض من السهر الذي أصابهم، فجاء عبد الله بن أبي إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك، و أنه ليشهد أن لا إله إلا الله و أنك لرسول الله، و أن زيدا قد كذب علي، فقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) منه، و أقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه و يقولون له: كذبت على عبد الله سيدنا. فلما رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان زيد معه يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن أبي، فما سار إلا قليلا حتى أخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما كان يأخذه من البرحاء عند نزول الوحي عليه، فثقل حتى كادت ناقته أن تبرك من ثقل الوحي، فسري عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو يسكب العرق عن وجهه، ثم أخذ بإذن زيد بن أرقم، فرفعه من الرحل، ثم قال: «يا غلام، صدق قولك، و وعى قلبك، و أنزل الله فيما قلت قرآنا». فلما نزل، جمع أصحابه و قرأ عليهم سورة المنافقين: ﴿بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ إِنَّهُمْ سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَعْلَمُونَ﴾ ففضح الله عبد الله بن أبي.
البرهان في تفسير القرآن - الجزء الخامس — سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ يقول: · سورة المنافقون