واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) اي لا تقولوا تخليطا وقولوا افهمنا وقوله (ما ننسخ من آية او ننسها نات بخير منها او مثلها) فقوله ننسها اي نتركها ونترك حكمها فسمى الترك بالنسيان في هذه الآية وقوله " او مثلها " فهي زيادة انما نزل " نات بخير مثلها " واما قوله (ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) فانما نزلت في قريش حين منعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخول مكة وقوله (ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله) فانها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر واما الفرايض فقوله " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " يعني الفرايض لا تصليها الا إلى القبلة واما قوله (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال إني جاعلك للناس اماما) قال هو ما ابتلاه الله مما اراه في نومه بذبح ولده فاتمها ابراهيم (عليه السلام) وعزم عليها وسلم فلما عزم وعمل بما امره الله قال الله تعالى " إني جاعلك للناس اماما " قال ابراهيم ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) لا يكون بعهدي إمام ظالم ثم انزل عليه الحنيفية وهي الطهارة وهي عشرة اشياء خمسة في الرأس وخمسة في البدن فاما التي في الرأس فاخذ الشارب، واعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال واما التي في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وقلم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء فهذه خمسة في البدن وهو الحنفية الطهارة التي جاء بها ابراهيم فلم تنسخ إلى يوم القيامة وهو قوله " واتبع ملة ابراهيم حنيفا " واما قوله (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا) فالمثابة العود اليه وقوله (طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) قال الصادق (عليه السلام) يعني نحى عن المشركين وقال لما بنى ابراهيم البيت وحج الناس شكت الكعبة إلى الله تبارك وتعالى ما تلقى من ايدي المشركين وانفاسهم فاوحى الله اليها قرى كعبة فاني ابعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان الشجر ويتخللون وقوله (وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) فانه دعا ابراهيم ربه ان يرزق من آمن به فقال الله يا ابراهيم ومن كفر ايضا ارزقه (فامتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) واما قوله (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل الآية) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن هشام عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال ان ابراهيم (عليه السلام) كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر اسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لانه لم يكن له منها ولد كانت تؤذي ابراهيم في هاجر وتغمه فشكى ابراهيم ذلك إلى الله عزوجل فاوحى الله اليه انما مثل المرأة مثل الضلع العوجا ان تركتها استمتعتها وان اقمتها كسرتها ثم امره ان يخرج اسماعيل وامه (فقال يا رب إلى اي مكان؟ قال إلى حرمي وامني واول بقعة خلقتها من الارض وهي مكة فانزل الله عليه جبرائيل بالبراق فحمل هاجر واسماعيل وكان ابراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع الا قال يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا فيقول لا امض، امض حتى اتى مكة فوضعه في موضع البيت وقد كان ابراهيم (عليه السلام) عاهد سارة ان لا ينزل حتى يرجع اليها، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة فالقت هاجر على ذلك الشجر كساءا وكان معها فاستظلوا تحته فلما سرحهم ابراهيم ووضعهم واراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر يا ابراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه انيس ولا ماء ولا زرع فقال ابراهيم الله الذي امرني ان اضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ثم انصرف عنهم فلما بلغ كداء وهو جبل بذى طوى التفت اليهم ابراهيم فقال (رب اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) ثم مضى وبقيت هاجر فلما ارتفع النهار عطش اسماعيل وطلب الماء فقامت هاجر في الوادي في مضوع المسعى ونادت هل في الوادي من انيس، فغاب عنها اسماعيل فصعدت على الصفا ولمع لها السراب في الوادي وظنت انه ماء فنزلت في بطن الوادى وسعت فلما بلغت المسعى غاب عنها اسماعيل ثم لمع لها السراب في ناحية الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها اسماعيل عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات فلما كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى اسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله فعادت حتى جمعت حوله رملا فانه كان سائلا فزمته بما جعلته حوله فلذلك سميت " زمزم " وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء فنظرت جرهم إلى تعكف الطير على ذلك المكان فاتبعوها حتى نظروا إلى امرأة وصبي في ذلك الموضع قد استظلوا بشجرة وقد ظهر الماء لهما فقالوا لهاجر من انت وما شأنك وشأن هذا الصبي؟ فقالت انا ام ولد ابراهيم خليل الرحمن وهذا ابنه امره الله ان ينزلنا هيهنا فقالوا لها ايها المباركة أفتاذني لنا ان نكون بالقرب منكما؟ فقالت حتى ياتى ابراهيم فلما زارهم ابراهيم (عليه السلام) يوم الثالث فقالت هاجر يا خليل الله ان هيهنا قوما من جرهم يسألونك ان تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا افتأذن لهم في ذلك فقال ابراهيم نعم فاذنت فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فآنست هاجر واسماعيل بهم فلما زارهم ابراهيم في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بهم سرورا شديدا فلما ترعرع اسماعيل (عليه السلام) وكانت جرهم قد وهبوا لاسماعيل كل واحد منهم شاة وشاتين فكانت هاجر واسماعيل يعيشان بها. فلما بلغ اسماعيل مبلغ الرجال امر الله ابراهيم (عليه السلام) ان يبني البيت فقال يا رب في اي بقعه قال في البقعة التي انزلت على آدم القبة فاضاء لها الحرم فلم تزل القبة التي انزلها الله على آدم قائمة حتى كان ايام الطوفان ايام نوح (عليه السلام) فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا الا موضع البيت فسميت البيت العتيق لانه اعتق من الغرق فلما امر الله عزوجل ابراهيم (عليه السلام) ان يبني البيت ولم يدر في اي مكان يبنيه فبعث الله جبرئيل (عليه السلام) فخط له موضع البيت فانزل الله عليه القواعد من الجنة وكان الحجر الذي انزل الله على آدم اشد بياضا من الثلج فلما لمسته ايدي الكفار اسود، فبنى ابراهيم البيت ونقل اسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه إلى السماء تسعة ازرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه ابراهيم (عليه السلام) ووضعه في موضعه الذي هو فيه الاول وجعل له بابين باب إلى المشرق وباب إلى المغرب والباب الذي إلى المغرب يسمى المستجار ثم القى عليه الشجر والاذخر وعلقت هاجر على بابه كساء كان معها وكانوا يكنون تحته. فلما بناه وفرغ منه حج ابراهيم (عليه السلام) واسماعيل ونزل عليهما جبرئيل (عليه السلام) يوم التروية لثمان من ذي الحجة فقال يا إبراهيم قم فارتو من الماء لانه لم يكن بمنى وعرفات ماء فسميت التروية لذلك ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم (عليه السلام) فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " قال من ثمرات القلوب اي حببهم إلى الناس لينتابوا اليهم ويعودوا اليهم.
تفسير القمي - الجزء الأول · تفسير القرآن الكريم