واما قوله (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) فانه يعني من ولد اسماعيل (عليه السلام) فلذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " انا دعوة ابي ابراهيم (عليه السلام) " وقوله (فانما هم في شقاق) يعني في كفر، قوله (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) يعني به الاسلام. الجزء وقوله (سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فان هذه الآية متقدمة على قوله " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها " لانه نزل اولا " قد نرى تقلب وجهك في السماء " ثم نزل " سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وذلك إن اليهود كانوا يعيرون برسول الله ويقولون أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا فاغتم من ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) غما شديدا وخرج في جوف الليل ينظر في آفاق السماء ينتظر بأمر الله تبارك وتعالى في ذلك، فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى بهم الظهر ركعتين، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فأخذ بعضديه فحوله إلى الكعبة، فانزل الله عليه " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام " فصلى ركعتين إلى الكعبة فقالت اليهود والسفهاء ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وتحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة ثلاثة عشر سنة إلى البيت المقدس وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى البيت المقدس سبعة اشهر، ثم حول الله عزوجل القبلة إلى البيت الحرام ثم قال الله عزوجل (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعني ولا الذين ظلموا منهم " وإلا " في موضع " ولا " وليست هي استثناء، واما قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) يعنى أئمة وسطا اي عدلا وواسطة بين الرسول والناس والدليل على ان هذا مخاطبة للائمة (عليهم السلام) قوله في سورة الحج " ليكون الرسول شهيدا عليكم " يا معشر الائمة " وتكونوا ـ انتم ـ شهداء على الناس " وانما نزلت " وكذلك جعلناكم أئمة وسطا ". وقوله (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما) فان قريشا كانت وضعت اصنامهم بين الصفا والمروة وكانوا يتمسحون بها اذا سعوا فلما كان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان في غزاة الحديبية وصده عن البيت وشرطوا له ان يخلوا له البيت في عام قابل حتى يقضي عمرته ثلاثة ايام ثم يخرج عنها فلما كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكة وقال لقريش ارفعوا اصنامكم من بين الصفا والمروة حتى أسعى، فرفعوها فسعى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين الصفا والمروة وقد رفعت الاصنام، وبقي رجل من الطواف ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة فجاء الرجل الذي لم يسع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال قد ردت قريش الاصنام بين الصفا والمروة ولم اسع فانزل الله عزوجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما " والاصنام فيهما وقوله (اولئك يلعنهم الله وبلعنهم اللاعنون) قال كل من قد لعنه الله من الجن والانس يلعنهم، قوله (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) فانما البهايم اذا زجرها صاحبها فانها تسمع الصوت ولا تدري ما يريد وكذلك الكفار اذا قرأت عليهم وعرضت عليهم الايمان لا يعلمون مثل البهايم وقوله (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) فالباغي من يخرج في غير طاعة الله، والعادي الذي يعتدي على الناس ويقطع الطريق وقوله (فما اصبرهم على النار) يعني ما اجراهم، وقوله (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) فهي شروط الايمان الذي هو التصديق، قوله (والصابرين في البأساء والضراء) قال في الجوع والعطش والخوف والمرض (وحين الباس) قال عند القتل، وقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) فهي ناسخة لقوله النفس بالنفس وقوله (ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب) قال يعني لولا القصاص لقتل بعضكم بعضا وقوله (كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) فانما هي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " وقوله (فمن بدله بعد ما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) يعني بذلك بعد الوصية ثم رخص فقال (فمن خاف من موص جنفا او إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه) قال الصادق (عليه السلام) اذا اوصى الرجل بوصية فلا يحل للوصي ان يغير وصيته يوصيها، بل يمضيها على ما اوصى، الا ان يوصي بغير ما امر الله فيعصي في الوصية ويظلم فالموصى اليه جائز له ان يرده إلى الحق مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض ورثته ويحرم بعضا فالوصي جايز له ان يرده إلى الحق وهو قوله " جنفا او إثما " فالجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض والاثم ان يأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر فيحل للوصي ان لا يعمل بشئ من ذلك. وقوله (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم تتقون) فانه قال اول ما فرض الله الصوم لم يفرضه في شهر رمضان على الانبياء، ولم يفرضه على الامم، فلما بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) خصه بفضل شهر رمضان هو وامته، وكان الصوم قبل ان ينزل شهر رمضان يصوم الناس اياما ثم نزل (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن) قال وسئل الصادق (عليه السلام) عن شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن كيف كان، وانما انزل القرآن في طول عشرين سنة؟ فقال انه نزل جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في طول عشرين سنة وقوله (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه ان يقضي ويتصدق عن كل يوم بمد من الطعام، وقوله (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم) فانه حدثني ابي رفعه قال قال الصادق (عليه السلام) كان النكاح والاكل محرمان في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعني كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما في اليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقال له خوات بن جبير الانصاري اخو عبدالله بن جبير الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكله بفم الشعب يوم احد في خمسين من الرماة ففارقه اصحابه وبقي في اثنى عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان اخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا وكان صائما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخندق فجاء إلى اهله حين امسى فقال عندكم طعام؟ فقالوا لا، نم حتى نصنع لك طعاما فابطئت اهله بالطعام فنام قبل ان يفطر فلما انتبه قال لاهله قد حرم الله علي الاكل في هذه الليلة فلما اصبح حضر حفر الخندق فاغمي عليه، فرآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فانزل الله عزوجل " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن واتبغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل " واحل الله تبارك وتعالى النكاح بالليل في شهر رمضان والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر لقوله " حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " قال هو بياض النهار من سواد الليل وقوله (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فانه حدثني ابي عن القسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حماد قال قلت لابي عبدالله (عليه السلام) اشغل نفسي بالدعاء لاخواني ولاهل الولاية فما ترى في ذلك؟ فقال إن الله تبارك وتعالى يستجيب دعاء غائب لغائب ومن دعا للمؤمنين والمؤمنات ولاهل مودتنا رد الله عليه من آدم إلى ان تقوم الساعة لكل مؤمن حسنة ثم قال ان الله فرض الصلوات في افضل الساعات، عليكم بالدعاء في إدبار الصلاة ثم دعا لي ولمن حضره، وقوله (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم) قال العالم (عليه السلام) قد علم الله انه يكون حكاما يحكمون بغير الحق فنهى ان يتحاكم اليهم فانهم لا يحكمون بالحق فتبطل الاموال. وقوله (ويسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فان المواقيت منها معروفة مشهورة في اوقات معروفة، ومنها مبهمة فاما المواقيت المعروفة المشهورة فاربعة، والاشهر الحرم التي ذكرها الله في قوله " منها اربعة حرم " والاثنا عشر شهرا التي خلقها الله تعرف بالهلال، اولها المحرم وآخرها ذو الحجة، والاربعة الحرم رجب مفرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم متصلة، حرم الله فيها القتال، ويضاعف فيها الذنوب وكذلك الحسنات، واشهر السياحة معروفة وهي عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر (ون ط) من شهر ربيع الآخر، وهي التي احل الله فيها قتال المشركين في قوله " فسيحوا في الارض اربعة اشهر " واشهر الحج معروفة، وهي شوال وذوالقعدة وذوالحجة وانما صارت اشهر الحج لانه من اعتمر في هذه الاشهر في شوال او في ذي القعدة او في ذي الحجة ونوى ان يقيم بمكة حتى يحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج، ومن اعتمر في غير هذه الاشهر ثم نوى ان يقيم إلى الحج او لم ينو فليس هو ممن تمتع بالعمرة إلى الحج لانه لم يدخل مكة في اشهر الحج فسمي هذه اشهر الحج فقال الله تبارك وتعالى " الحج اشهر معلومات " وشهر رمضان معروف، واما المواقيت المبهمة التي اذا حدث الامر وجب فيها انتظار تلك الاشهر فعدة النساء في الطلاق، والمتوفي عنها زوجها، فاذا طلقها زوجها فان كانت تحيض تمتد الاقراء التي قال الله عزوجل، وان كانت لا تحيض تعتد بثلاثة اشهر بيض لادم فيها، وعدة المتوفى عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا، وعدة المطلقه الحبلى ان تضع ما في بطنها، وعدة الايلاء اربعة اشهر، وكذلك في الديون إلى الاجل الذي يكون بينهم وشهرين متتابعين في الظهار. ط وصيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ وعشرة ايام للصوم في الحج لمن لم يجد الهدي، وصيام ثلاثة ايام في كفارة اليمين واجب، فهذه المواقيت المعروفة والمبهمة التي ذكرها الله عزوجل في كتابه " يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج ".
تفسير القمي - الجزء الأول · تفسير القرآن الكريم