واما قوله (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ان يكبروا) قال من كان في يده مال اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح، فاذا احتلم وجب عليه الحدود واقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا، فاذا أنس منه الرشد دفع اليه المال واشهد عليه وان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ فانه يمتحن بريح إبطه او نبت عانته، فاذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع اليه ماله اذا كان رشيدا، ولا يجوز ان يحبس عليه ماله ويعلل انه لم يكبر وقوله " ولا تأكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا " فان من كان في يده مال يتيم وهو غني فلا يحل له ان يأكل من مال اليتيم ومن كان فقيرا قد حبس نفسه على ماله فله ان يأكل بالمعروف، ومعنى قوله (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه او كثر نصيبا مفروضا) فهي منسوخة بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " وقوله (واذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) منسوخ بقوله " يوصيكم الله في اولادكم " واما قوله (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) فان الله عزوجل يقول لا تظلموا اليتامي فيصيب اولادكم مثل ما فعلتم باليتامى وإن الله تبارك وتعالى يقول إذا ظلم الرجل اليتيم وكان مستحلا لم يحفظ ولده ووكلهم إلى ابيهم، وان كان صالحا حفظ ولده في صلاح ابيهم، والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى " واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا إلى قوله ـ رحمة من ربك " لان الله لا يظلم اليتامى لفساد ابيهم ولكن يكل الولد إلى ابيه فان كان صالحا حفظ ولده بصلاحه، واما قوله (ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا الآية) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اسري بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في اجوافهم النار وتخرج من ادبارهم، فقلت من هؤلاء ياجبرئيل؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما. وقوله (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) قال إذا مات الرجل وترك بنين وبنات فللذكر مثل حظ الانثيين وقوله (فان كن نساء فوق انثتين فلهن ثلثا ما ترك) يعني إذا مات الرجل وترك ابوبن وابنتين فللابوين السدسان وللابنتين الثلثان، فان كانت البنت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس، وبقى سهم يقسم على خمسة اسهم فما أصاب ثلاثة اسهم فللبنت وما اصاب اثنين فللابوين، وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) يعني إذا ترك ابوين فللام الثلث وللاب الثلثان (من بعد وصية يوصي بها او دين) اي لا تكون الوصية على المضارة يعني بولده ثم قال للرجال (ولكم نصف ما ترك ازواجكم) فاذا ماتت المرأة فلزوجها النصف اذا لم يكن لها ولد فان كان لها ولد فلزوجها اربع وللمرأة اذا مات زوجها ولم يكن له ولد فلها الربع وان كان له ولد فلها الثمن. وقوله: (وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله اخ او اخت فلكل واحد منهما السدس) فهذه كلالة الام وهي الاخوة والاخوات من الام فان كانوا اكثر من ذلك فهم يأخذون الثلث، فيقتسمون فيما بينهم بالسوية الذكر والانثى فيه سواء، فان كان للميت اخوة واخوات من قبل الاب والام او من قبل الاب وحده فلامه السدس وللاب خمسة اسداس، فان الاخوة والاخوات من قبل الاب هم في عيال الاب ويلزمه مؤنتهم فهم يحجبون الام عن الثلث ولا يرثون وقوله (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلا) فانه في الجاهلية كان إذا زنى الرجل المرأة كانت تحبس في بيت إلى ان تموت ثم نسخ ذلك بقوله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " وقوله (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) فانه محكم قوله (ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الآن) فانه حدثني ابي عن ابن فضال عن علي ابن عقبة عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال نزل في القرآن ان زعلون تاب حيث لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه وقوله (ياايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لنذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قال لا بحل للرجل اذا نكح امرأة ولم يردها وكرهها ان لا يطلقها إذا لم يجبر (يجر ط) عليها، ويعضلها اي يحبسها ويقول لها حتى تؤدي ما اخذت مني فنهى الله عن ذلك (إلا ان يأتين بفاحشة مبينة) وهو ما وصفناه في الخلع فان قالت له ما تقول المختلعة يجوز له ان يأخذ منها ما اعطاها وما فضل. وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله (ياايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها) فانه كان في الجاهلية في اول ما اسلموا من قبائل العرب اذا مات حميم الرجل وله امرأة القى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذى كان اصدقها فكان يرث نكاحها كما يرث ماله، فلما مات ابوقيس بن الاسلب (ابوقيس بن الاسلت ط) القى محصن بن ابي قيس ثوبه على امرأة ابيه وهي كبيثة (كبيشة ط) بنت معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل به ولا ينفق عليها فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت يا رسول الله مات ابوقيس بن الاسلب فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل علي ولا ينفق علي ولا يخلى سبيلى فالحق باهلي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا اعلمتك به، فنزل (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) فلحقت باهلها، وكانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيثة غير انه ورثهن عن الابناء فانزل الله " يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها " وقوله (وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني الرجل يكره اهله فاما ان يمسكها فيعطفه الله عليها واما ان يخلي سبيلها فيتزوجها غيره فيرزقها الله الود والولد ففي ذلك قد جعل الله خيرا كثيرا قال (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احديهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا) وذلك اذا كان الرجل هو الكاره للمرأة، فنهى الله ان يسئ اليها حتى تفتدي منه يقول الله (وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم إلى بعض) والافضاء المباشرة يقول الله (واخذن منكم ميثاقا غليظا) والميثاق الغليظ الذي اشترطه الله للنساء على الرجال امساك بمعروف او تسريح باحسان.
تفسير القمي - الجزء الأول · تفسير القرآن الكريم