واما قوله (ياايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم) فانه كان سبب نزولها انه كان في المدينة بطنان من اليهود من بني هارون وهم النضير وقريضة وكانت قريضة سبع مائة والنضير الفا، وكانت النضير اكثر مالا واحسن حالا من قريضة. وكانوا حلفاء لعبد الله بن ابي، فكان إذا وقع بين قريضة والنضير قتل وكان الفاتل من بني النضير قالوا لبني قريضة لا نرضى ان يكون قتيل منا بقتيل منكم فجرى بينهم في ذلك مخاطبات كثيرة حتى كادوا ان يقتتلوا حتى رضيت قريضة وكتبوا بينهم كتابا على انه اي رجل من اليهود من النضير قتل رجلا من بني قريضة ان يجنيه ويحمم، والتجنية ان يقعد على جمل ويولى وجهه إلى ذنب الجمل ويلطخ بالحماة ويدفع نصف الدية، وإيما رجل من بني قريضة قتل رجلا من بني النضير ان يدفع اليه دية كاملة ويقتل به، فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة ودخلت الاوس والخرج في الاسلام ضعف امر اليهود فقتل رجل من بني قريضة رجلا من بني النضير فبعثوا اليهم بنو النضير ابعثوا الينا فدية؟ المقتول وبالقاتل حتى نقتله، فقالت قريضة ليس هذا حكم التوراة وإنما هو شئ غلبتمونا عليه فاما الدية واما القتل وإلا فهذا محمد بيننا وبينكم فهلموا لنتحاكم اليه، فمشت بنو النضير إلى عبدالله بن ابي وقالوا سل محمدا ان لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذي بيننا وبين بني قريضة في القتل، فقال عبدالله بن ابي ابعثوا معي رجلا يسمع كلامي وكلامه فان حكم لكم بما تريدون وإلا فلا ترضوا به، فبعثوا معه رجلا فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له يارسول الله ان هؤلاء القوم قريضة والنضير قد كتبوا بينهم كتابا وعهدا وثيقا تراضوا به والآن في قدومك يريدون نقضه وقد رضوا بحكمك فيهم فلا تنقض عليهم كتابهم وشرطهم، فان بني النضير لهم القوة والسلاح والكراع، ونحن نخاف الغوائل والدوائر، فاغتم لذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يجبه بشئ، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآيات " يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا " يعني اليهود " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " يعني عبدالله بن ابي وبني النضير " يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا " يعني عبدالله بن ابي حيث قال لبني النضير إن لم يحكم لكم بما تريدون فلا تقبلوا " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فان جاؤك فاحكم بينهم او اعرض عنهم، وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين ـ إلى قوله ـ ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون " وقوله (وكتبنا عليهم فيها) يعني في التوراة (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) فهي منسوخة بقوله (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى) وقوله (والجروح قصاص) لم تنسخ ثم قال (فمن تصدق به) اي عفى (فهو كفارة له) وقوله (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) قال لكل نبي شريعة وطريق (ولكن ليبلوكم فيما آتاكم) أي يختبركم ثم قال لنبيه (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة) وهو قول عبدالله بن ابي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تنقض حكم بني النضير فانا نخاف الدوائر، فقال الله تعالى (فعسى الله ان يأتي بالفتح أو امر من عنده فيصبحوا علي ما اسروا في انفسهم نادمين) واما قوله (ياايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم وبحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله) قال هو محاطبة لاصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين غصبوا آل محمد حقهم وارتدوا عن دين الله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم " نزلت في القائم (عليه السلام) واصحابه (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) واما قوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابان بن عثمان بن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبدالله بن سلام، إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المسجد فاستقبله سائل، فقال هل اعطاك احد شيئا؟ قال نعم، ذاك المصلي فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاذا هو علي امير المؤمنين (عليه السلام) وقوله (واذا جاؤكم قالوا آمنا) قال نزلت في عبدالله بن ابي لما اظهر الاسلام (وقد دخلوا في الكفر) قال وخرجوا به من الايمان وقوله (واكلهم السحت) قال السحت هو بين الحلال والحرام وهو ان يؤاجر الرجل نفسه على حمل المسكر ولحم الخنزير واتخاذ الملاهي فاجارته نفسه خلال ومن جهة ما يحمل ويعلم هو سحت. وحدثني ابي عن النوفل عن السكوني عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال قال امير المؤمنين (عليه السلام) من السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، ومهر البغى، والرشوة في الحكم، واجر الكاهن، وقوله (قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) قال قالوا قد فرغ الله من الامر لا يحدث الله غير ما قد قدره في التقدير الاول، فرد الله عليهم فقال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء اي يقدم ويؤخر ويزيد وينقص وله البداء والمشية، وقوله (كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله) قال كلما اراد جبار من الجبابرة هلاك آل محمد قصمه الله، وقوله (ولو انهم اقاموا التورية والانجيل وما انزل اليهم من ربهم) يعني اليهود والنصارى (لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم) قال من فوقهم المطر ومن تحت ارجلهم النعبات وقوله (منهم امة مقتصدة) قال قوم من اليهود دخلوا في الاسلام فسماهم الله مقتصدة. وقوله (ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) قال نزلت هذه الآية في علي (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) قال نزلت هذه الآية في منصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع وحج رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة، فكان من قوله بمنى ان حمد الله واثنى عليه ثم قال: " ايها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني، فاني لا ادري لا القاكم بعد عامي هذا، ثم قال هل تعلمون اي يوم اعظم حرمة؟ قال الناس هذا اليوم، قال فاي شهر؟ قال الناس هذا، قال واي بلد اعظم حرمة؟ قالوا بلدنا هذا، قال فان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن اعمالكم، ألا هل بلغت ايها الناس؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل مأثره او بدعة كانت في الجاهلية او دم او مال فهو تحت قدمي هاتين، ليس احد أكرم من احد إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم؟ قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع منه ربا العباس بن عبدالمطلب، ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع، واول موضوع دم ربيعة، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وان الشيطان قد يئس ان يعبد بارضكم هذه ولكنه راض بما تحتقرون من اعمالكم، ألا وانه اذا اطيع فقد عبد، ألا ايها الناس ان المسلم اخو المسلم حقا، لا يحل لامرء مسلم دم امرء مسلم وماله إلا ما اعطاه بطيبة نفس منه، واني امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ألا هل بلغت ايها الناس؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ايها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافهموه تنعشوا ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فان فعلتم ذلك ولتفعلن لنجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل اضرب وجوهكم بالسيف، ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ثم قال ـ ان شاءالله او علي بن ابى طالب، ثم قال ألا واني قد تركت فيكم امرين ان اخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانه قد نبأنى اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ألا فمن اعتصم بهما فقد نحبا ومن خالفهما فقد هلك، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، ثم قال ألا وانه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني، فاقول رب اصحابي، فقال يامحمد انهم احدثوا بعدك وغيروا سنتك فاقول سحقا سحقا. فلما كان آخر يوم من أيام التشريق انزل الله: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعيت إلى نفسي ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال نصر الله امرءا، سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرء مسلم اخلص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين ولزم جماعتهم فان دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون اخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم ادناهم وهم يد على من سواهم. أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين، قالوا يارسول الله وما الثقلان؟ قال كتاب الله وعترتى اهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترفا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه ولا اقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه، فاجتمع قوم من اصحابه وقالوا يريد محمد ان يجعل الامامة في اهل بيته فخرج اربعة نفر منهم إلى مكه ودخلوا الكعبة تعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا ان مات محمد او قتل أن لا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا فانزل الله على نبيه في ذلك " ام ابرموا امرا فانا مبرمون ام يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجويهم بلي ورسلنا لديهم يكتبون " فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له غدير خم، وقد علم الناس مناسكهم واوعز اليهم وصيته إذ نزلت عليه هذه الآية " ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس هل تعلمون من وليكم؟ فقالوا نعم الله ورسوله، ثم قال ألستم تعلمون اني اولى بكم من انفسكم؟ قالوا بلى، قال اللهم اشهد فاعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الاول ويقول الناس كذلك ويقول اللهم اشهد، ثم اخذ بيد امير المؤمنين (عليه السلام) فرفعها حتى بدا للناس بياض ابطيهما ثم قال " ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله واحب من احبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم اشهد عليهم وانا من الشاهدين " فاستفهمه عمر فقام من بين اصحابه فقال يارسول الله هذا من الله ومن رسوله؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعم من الله ورسوله انه امير المؤمنين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل اولياءه الجنة واعداءه النار، فقال اصحابه الذين ارتدوا بعده قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال وقال ههنا ما قال وان رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمعوا اربعة عشر نفرا وتوامروا على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقعدوا في العقبة، وهى عقبة هر شى (ارشى ط) بين الجحفة والابواء، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما جن الليل تقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الليلة العسكر فاقبل ينعس على ناقته، فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد ان فلانا وفلانا (وفلانا ط) قد قعدوا لك، فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال من هذا خلفي فقال حذيفة اليماني انا يارسول الله حذيفة بن اليمان، قال سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم، ثم دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم فناداهم باسمائهم، فلما سمعوا نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلبوهم وانتهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رواحلهم فعرفهم، فلما نزل قال ما بال اقوام تحالفوا في الكعبة ان مات محمد او قتل ألا يردوا هذا الامر في اهل بيته ابدا، فجاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحلفوا انهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم يكتموا شيئا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانزل الله " يحلفون بالله ما قالوا " ان لا يردوا هذا الامر في اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا " من قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وما نقموا إلا ان اغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وان يتولوا يعذبهم الله عذابا اليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الارض من ولي ولا نصير " فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وبقي بها محرم والنصف من صفر لا يشتكي شيئا ثم ابتدأ به الوجع الذي توفى فيه (صلى الله عليه وآله). فحدثني ابي عن مسلم بن خالد عن محمد بن جابر عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رجع من حجة الوداع يابن مسعود قد قرب الاجل ونعيت الي نفسي فمن لذلك بعدي؟ فاقبلت اعد عليه رجلا رجلا، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال ثكلتك الثواكل فاين انت عن علي بن ابي طالب لم لا تقدمه على الخلق اجمعين، يابن مسعود انه إذا كان يوم القيامة رفعت لهذه الامة اعلام، فاول الاعلام لوائي الاعظم مع علي بن ابى طالب والناس اجمعين تحت لوائه ينادي مناد هذا الفضل يا بن ابي طالب ثم نزل كتاب الله يخبر عن اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (وحسبوا ألا تكون فتنة) اي لا يكون اختبار ولا يمتحنهم الله بامير المؤمنين (عليه السلام) (فعموا وصموا) قال حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين اظهرهم (ثم عموا وصموا) حين قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) واقام امير المؤمنين (عليه السلام) عليهم فعموا وصموا فيه حتى الساعة، ثم احتج عزوجل على النصارى في عيسى فقال: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام) يعني كانا يحدثان فكنى الله عن الحدث وكل من اكل الطعام يحدث. ثم قال (يااهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) اى لا تقولوا ان عيسى هو الله وابن الله، وحدثنى ابي قال حدثنى هارون بن مسلم عن مسعدة ابن صدقة قال سأل رجل ابا عبدالله (عليه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان ويعملون لهم ويجبونهم ويوالونهم، قال ليس هم من الشيعة ولكنهم من اولئك ثم قرأ ابوعبدالله (عليه السلام) هذه الآية (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ـ إلى قوله ـ ولكن كثيرا منهم فاسقون) قال الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى وقوله " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " قال كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر وياتون النساء ايام حيضهن، ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار " وترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم ـ إلى قوله ـ ولكن كثيرا منهم فاسقون " فنهى الله عزوجل ان يوالى المؤمن الكافر إلا عند التقية واما قوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى) فانه كان سبب نزولها انه لما اشتدت قريش في اذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة امرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يخرجوا إلى الحبشة، وامر جعفر بن ابي طالب (عليه السلام) ان يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين، فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسنن؟ الوجه شابا مترفا فاخرج عمرو بن العاص اهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص، قل لاهلك تقبلني، فقال عمرو ايجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشأ عمرو وكان على صدر السفينة، دفعه عمارة والقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وادركوه فاخرجوه " فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا اليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان قوما منا خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا اليك فردهم الينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاؤا به، فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء؟ فقال جعفر ايها الملك وما يقولون؟ قال يسألون ان اردكم اليهم، قال ايها الملك سلهم أعبيد نحن لهم؟ فقال عمرو لا بل احرار كرام، قال فسلهم الهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ قال لا مالنا عليكم ديون، قال فلكم في اعناقنا دماء تطالبوننا بها؟ قال عمرو لا، قال فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص ايها الملك خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وافسدوا شبابنا وفرقوا جماعتنا فردهم الينا لنجمع امرنا، فقال جعفر نعم ايها الملك خالفناهم بانه بعث الله فينا نبيا امر بخلع الانداد، ترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلوة والزكوة، وحرم الظلم والجور، وسفك الدماء بغير حقها والزناء والربا والميتة والدم، وامرنا بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما انزل الله على نبيك شيئا؟ قال نعم فقرأ عليه سورة مريم فلما بلغ إلى قوله " وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربي وقري عينا " فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاءا شديدا، وقال هذا والله هو الحق، فقال عمرو بن العاص ايها الملك ان هذا مخالفنا فرده الينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت، والله يا هذا لان ذكرته بسوء لافقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول ان كان هذا كما تقول ايها الملك فانا لا نتعرض له، وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فاحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة لو راسلت جارية الملك، فراسلها فاجابته، فقال عمرو قل لها تبعث اليك من طيب الملك شيئا، فقال لها فبعثت اليه فاخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين القاه في البحر فادخل الطيب على النجاشي، فقال ايها الملك ان حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا اذا دخلنا بلاده ونأمن فيه ان لا نغشه ولا نريبه وان صاحبي هذا الذي معي قد ارسل حرمتك وخدعها وبعثت اليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فانهم دخلوا بلادي فامان لهم، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئا اشد عليه من القتل، فأخذوه ونفخوا في احليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فاخذوه فما زال يضطرب في ايديهم ويصيح حتى مات. ورجع عمرو إلى قريش فاخبرهم ان جعفر في ارض الحبشة في اكرم كرامة فلم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشا وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من اسماء بنت عميس عبدالله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسماه محمدا، وكانت ام حبيب بنت ابي سفيان تحت عبدالله فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى النجاشي يخطب ام حبيب، فبعث اليها النجاشي فخطبها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فاجابته، فزوجها منه واصدقها اربعمائة دينار وساقها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعث اليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعث اليه بمارية القبطية ام ابراهيم، وبعث اليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم انظروا إلى كلامه والى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن " واذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ـ إلى قوله ـ فقال الذين كفروا منهم ان هذا إلا سحر مبين " فلما سمعوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فاخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكي النجاشي وبكى القسيسون واسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة اسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلما عبر البحر توفي فانزل الله على رسوله (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ـ إلى قوله ـ وذلك جزاء المحسنين " واما قوله (ياايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم) فانه حدثنى ابي عن ابن ابى عمير عن بعض رجاله عن ابى عبدالله (عليه السلام) قال نزلت هذه الآية في امير المؤمنين (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مظعون، فاما امير المؤمنين (عليه السلام) فحلف ان لا ينام بالليل ابدا واما بلال فانه حلف ان لا يفطر بالنهار ابدا، واما عثمان بن مظعون فانه حلف ان لا ينكح ابدا فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة، فقالت عائشة ما لي اراك معطلة فقالت ولمن أتزين فوالله ما قاربني زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى الصلوة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ما بال اقوام يحرمون على انفسهم الطيبات الا انى انام بالليل وانكح وافطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس منى، فقاموا هؤلاء فقالوا يارسول الله فقد الجزء حلفنا على ذلك فانزل الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام ذلك كفارة ايمانكم اذا حلفتم الآية) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله (ياايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام) اما الخمر فكل مسكر من الشراب خمر اذا اخمر فهو حرام؟ واما المسكر كثيره وقليله حرام وذلك ان الاول شرب قبل ان يحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من اهل بدر، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال اللهم امسك على لسانه، فامسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل الله تحريمها بعد ذلك، وانما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر فلما نزل تحريمها خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فاكفأ كلها ثم قال هذه كلها خمر وقد حرمها الله، قكان اكثر شئ اكفئ من ذلك يومئذ من الاشربة الفضيخ، ولا اعلم اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ الا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، حرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، وقال حق على الله ان يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات، والمومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد والصديد قيح ودم غليظ مختلط يؤذي اهل النار حره ونتنه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شرب الخمر لم تقبل له صلاة اربعين ليلة، فان عاد فاربعين ليلة من يوم شربها فان مات في تلك الاربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال وسمي المسجد الذي قعد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم اكفئت المشربة مسجد الفضيخ من يومئذ، لانه كان اكثر شئ اكفئ من الاشربة الفضيخ. واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر، واما الانصاب فالاوثان التي كانوا يعبدونها المشركون، واما الازلام فالاقداح التي كانت تستقسم بها مشركوا العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، وهو رجس من عمل الشيطان، فقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان، واما قوله (اطيعو الله واطيعوا الرسول واحذروا) يقول لا تعصوا ولا تركنوا إلى الشهوات من الخمر والميسر (فان توليتم) يقول عصيتم (فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين) اذ قد بلغ وبين فانتهوا، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه سيكون قوم يبيتون وهم على شرب الخمر واللهو والغناء فبينماهم كذلك اذ مسخوا من ليلتهم واصبحوا قردة وخنازير وهو قوله " واحذروا " ان تعتدوا كما اعتدى اصحاب السبت، فقد كان املي لهم حتى اثروا وقالوا ان السبت لنا حلال وانما كان حرم على اولينا وكانوا يعاقبون على استحلالهم السبت، فاما نحن فليس علينا حرام وما زلنا بخير منذ استحللناه وقد كثرت اموالنا وصحت اجسامنا، ثم اخذهم الله ليلا وهم غافلون فهو قوله " واحذروا " ان يحل بكم مثل ماحل بمن تعدى وعصى فلما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في امرهما قال الناس من المهاجرين والانصار يا رسول الله قتل اصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله رجسا وجعله من عمل الشيطان وقد قلت ما قلت أفيضر اصحابنا ذلك شيئا بعد ما ماتوا؟ فانزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية) فهذا لمن مات او قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الاثم على من شربها بعد التحريم، قال علي بن ابراهيم في قوله (ياايها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله ابديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب) قال نزلت في غزاة الحديبية قد جمع الله عليهم الصيد فدخل بين رحائلهم ليبلونهم الله اي يختبرهم وقوله (ليعلم الله من يخافه بالغيب قبل ذلك) ولكنه عزوجل لا يعذب احدا الا بحجة بعد اظهار الفعل وقوله (ياايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فواجب لفظ الآية ان الفداء يجب على من قتل الصيد متعمدا وفي المعنى والتفسير يجب الجزاء على من قتل الصيد متعمدا او خطأ.
تفسير القمي - الجزء الأول · تفسير القرآن الكريم