واما قوله (وقالوا مهما تأتنا به من آياتنا لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فارسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) فانه لما سجد السحرة ومن آمن به من الناس قال هامان لفرعون ان الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كل من آمن به من بني اسرائيل، فجاء اليه موسى فقال له خل عن بني اسرائيل فلم يفعل فانزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى ادع ربك ربه يكف عنا الطوفان حتى اخلى عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان وهم فرعون ان يخلي عن بني اسرائيل، فقال له هامان ان خلت عن بني اسرائيل غلبك موسى وازال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع من ذلك حزعا شديدا، وقال ياموسى ادع ربك ان يكف عنا الجراد حتى اخلي عن بني اسرائيل واصحابك، فدعا موسى ربه، فكف عنهم الجراد فلم يدعه هامان ان يخلي عن بني اسرائيل، فانزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم واصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى ان دفعت عنا القمل كففت عن بني اسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال اول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني اسرائيل، فارسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم ويقال انها كانت تخرج من ادبارهم وآدانهم وآنافهم. فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاؤا إلى موسى فقالوا ادع الله ان يذهب عنا الضفادع فانا نؤمن بك ونرسل معك بني اسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك فلما ابوا ان يخلوا عن بني اسرائيل حول الله ماء النيل دما فكان القبطي يراه دما والاسرائيلي يراه ماءا فاذا شربه الاسرائيلي كان ماءا واذا شربه القبطي كان دما فكان القبطي يقول للاسرائيلي خذ الماء في فمك وصبه في فمي فاذا صبه في فم القبطي تحول دما فجزعوا جزعا شديدا، فقالوا لموسى لان رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني اسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني اسرائيل فارسل الله عليهم الرجز وهو الثلج ولم يروه قبل ذلك فماتوا فيه وجزعوا جزعا شديدا واصابهم ما لم يعهدوا قبله فقالوا (ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني اسرائيل) فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني اسرائيل فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى (عليه السلام) وخرج موسن من مصر واجتمع اليه من كان هرب من فرعون وبلغ فرعون ذلك فقال له هامان قد نهيتك ان تخلي عن بني اسرائيل فقد اجتمعوا اليه فجزع فرعون وبعث في المداين حاشرين وخرج في طلب موسى. وقوله (واورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها) يعني بني اسرائيل لما اهلك الله فرعون ورثوا الارض وما كان لفرعون، وقوله (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا) يعني الرحمة بموسى تمت لهم (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانو يعرشون) يعني المصانع والعريش والقصور، واما قوله (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصناهم لهم) فانه لما غرق الله فرعون واصحابه وعبر موسى واصحابه البحر نظر اصحاب موسى إلى قوم يعكفون على اصنام لهم، فقالوا لموسى (يا موسى اجعل لنا آلها كما لهم آلهة) فقال موسى (انكم قوم تجهلون، ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون، قال اغير الله ابغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين واذا انجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) وهو محكم، واما قوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة) فان الله عزوجل اوحى إلى موسى اني انزل عليك التوراة التى فيها الاحكام إلى اربعين يوما وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، فقال موسى لاصحابه ان الله تبارك وتعالى قد وعدني ان ينزل على التوراة والالواح إلى ثلاثين يوما، وامره الله ان لا يقول إلى اربعين يوما فتضيق صدورهم، فذهب موسى إلى الميقات واستخلف هارون على بني اسرائيل فلما جاوز الثلاثون يوما ولم يرجع موسى، غضبوا فارادوا ان يقتلوا هارون وقالوا ان موسى كذبنا وهرب منا واتخذوا العجل واعبدوه، فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة انزل الله على موسى الالواح وما يحتاجون اليه من الاحكام والاخبار والسنن والقصص، فلما انزل الله عليه التوراة وكلمه (قال ربى ارني انظر اليك) فاوحى الله (لن تراني) اي لا تقدر على ذلك (ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) قال فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجبل فساخ الجبل في البحر فهو يهوى حتى الساعة ونزلت الملائكة وفتحت ابواب السماء، فاوحى الله إلى الملائكة: ادركوا موسى لا يهرب، فنزلت الملائكة واحاطت بموسى وقالوا تب يا بن عمران: فقد سألت الله عظيما، فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت، وقع على وجهه، فمات من خشية الله وهول ما رأي، فرد الله عليه روحه فرفع رأسه وافاق وقال (سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين) أي اول من اصدق إنك لا ترى، فقال الله له (ياموسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) فناداه جبرائيل يا موسى أنا اخوك جبرئيل. وقوله (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا) اي كل شئ بانه مخلوق وقوله (فخذها بقوة) أي قوة القلب (وامر قومك يأخذوا باحسنها) أي باحسن ما فيها من الاحكام، وقوله (سأريكم دار الفاسقين) اي يجيئكم قوم فساق تكون الدولة لهم وقوله (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) يعني اصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الارض بغير الحق (وان يروا كل آية لا يؤمنو بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) قال إذا رأوا الايمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا وان يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها، وقوله (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت اعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) فانه محكم وقوله " هذا إلهكم وإله موسى فنسي " اي ترك وقوله " افلا يرون ألا يرجع اليهم قولا " يعني لا يتكلم العجل وليس له منطق واما قوله (ولما سقط في ايديهم) يعني لما جاءهم موسى واحرق العجل قالوا (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان اسفا قال بئس ما خلفتموني من بعدي اعجلتم امر ربكم والقى الالواح واخذ برأس اخيه يجره اليه ـ إلى قوله ـ ان ربك من بعدها لغفور رحيم) فانه محكم وقوله (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما اخذتهم الرجفة قال رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياي) فان موسى (عليه السلام) لما قال لبني اسرائيل ان الله يكلمني ويناجيني لم يصدقوه، فقال لهم اختاروا منكم من يجئ معي حتى يسمع كلامه، فاختاروا سبعين رجلا من خيارهم وذهبوا مع موسى إلى الميقات فدنا موسى فناجا ربه وكلمه الله تعالى، فقال موسى لاصحابه اسمعوا واشهدوا عند بني اسرائيل بذلك فقالوا له لن نؤمن "، حتى نرى الله جهرة فاسئله ان يظهر لنا، فانزل الله عليهم صاعقة فاحترقوا وهو قوله " واذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتهم الصاعقة وانتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " فهذه الآية في سورة البقرة وهى مع هذه الآية في سورة الاعراف فنصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة الاعراف ههنا، فلما نظر موسى إلى اصحابه قد هلكوا حزن عليهم فقال (رب لو شئت اهلكتهم من قبل واياي اتهلكنا بما فعل السفهاء منا) وذلك ان موسى (عليه السلام) ظن ان هؤلاء هلكوا بذنوب بني اسرائيل فقال (ان هى الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة انا هدنا اليك) فقال الله تبارك وتعالى (عذابي اصيب به من اشاء ورحمتي وسعت كل شئ، فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) ثم ذكر فضل النبي (صلى الله عليه وآله) وفضل من تبعه فقال (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) يعني الثقل الذي كان على بني اسرائيل وهو انه فرض الله عليهم الغسل والوضوء بالماء ولم يحل لهم التيمم ولا يحل لهم الصلاة الا في البيع والكنايس والمحاريب، وكان الرجل اذا اذنب خرج نفسه منتنا فيعلم انه اذنب، واذا اصاب شيئا من بدنه البول قطعوه، ولم يحل لهم المغنم فرفع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن امته ثم قال (فالذين آمنوا به) يعني برسول الله (صلى الله عليه وآله) (وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه) يعني امير المؤمنين (عليه السلام) (اولئك هم المفلحون) فاخذ الله ميثاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الانبياء ان بخبروا اممهم وينصرونه، فقد نصروه بالقول وامروا اممهم بذلك وسيرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويرجعون وبنصرونه في الدنيا.
تفسير القمي - الجزء الأول · تفسير القرآن الكريم