واما قوله. (بين البحرين حاجزا) يقول فضاء واما قوله (بل إدارك علمهم في الآخر) يقول علموا ما كانوا جهلوا في الدنيا واما قوله (وكل اتوه داخرين) قال: صاغرين واما قوله: (اتقن كل شئ) يقول احسن كل شئ خلقه. سورة القصص مكية آياتها ثمان وثمانون (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين) ثم خاطب الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: (نتلوا عليك يا محمد من نبأ موسى وفرعون ـ إلى قوله ـ انه كان من المفسدين) فأخبر الله نبيه بما لقي موسى واصحابه من فرعون من القتل والظلم ليكون تعزية له فيما يصيبه في اهل بيته من امته ثم بشره بعد تعزيته انه يتفضل عليهم بعد ذلك ويجعلهم خلفاء في الارض وأئمة على امته ويردهم إلى الدنيا مع اعدائهم حتى ينتصفوا منهم فقال: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما) وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله (منهم) اي من آل محمد (ما كانوا يحذرون) اي من القتل والعذاب ولو كانت هذه الآية نزلت في موسى وفرعون لقال ونري فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون اي من موسى ولم يقل منهم فلما تقدم قوله " ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " علمنا ان المخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله) وما وعد الله به رسوله فانما يكون بعده والائمة يكونون من ولده وإنما ضرب الله هذا المثل لهم في موسى وبني اسرائيل وفي اعدائهم بفرعون وهامان وجنودهما فقال: إن فرعون قتل بني اسرائيل وظلم من ظلمهم فأظفر الله موسى بفرعون واصحابه حتى اهلكهم الله وكذلك اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) اصابهم من اعدائهم القتل والغصب ثم يردهم الله ويرد اعداءهم إلى الدنيا حتى يقتلوهم. وقد ضرب امير المؤمنين (عليه السلام) مثلا مثل ما ضربه الله لهم في اعدائهم بفرعون وهامان فقال: " يا ايها الناس أول من بغى على الله عزوجل على وجه الارض عناق بنت آدم (عليه السلام) خلق الله لها عشرين اصبعا لكل اصبع منها ظفران طويلان كالمخلبين العظيمين وكان مجلسها في الارض موضع جريب، فلما بغت بعث الله لها اسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا كالحمار وكان ذلك في الخلق الاول، فسلطهم الله عليها فقتلوها، ألا وقد قتل الله فرعون وهامان وخسف الله بقارون " وانما هذا مثل لاعدائه الذين غصبوا حقه فأهلكهم الله، ثم قال علي (عليه السلام) على أثر هذا المثل الذي ضربه: " وقد كان لي حق حازه دوني من لم يكن له ولم اكن اشركه فيه ولا توبة له إلا بكتاب منزل وبرسول مرسل وانى له بالرسالة بعد رسول الله (النبي محمد خ ل) (صلى الله عليه وآله) ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) " وكذلك مثل القائم (عليه السلام) في غيبته وهربه واستناره مثل موسى (عليه السلام) خائف مستتر إلى ان يأذن الله في خروجه وطلب حقه وقتل اعدائه في قوله: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق " وقد ضرب الحسين بن علي (عليهما السلام) مثلا في بني اسرائيل بذلتهم من اعدائهم، حدثني ابي عن النضر ابن سويد عن عاصم بن حميد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال لقى المنهال بن عمرو على بن الحسين ابن علي (عليهم السلام) فقال له كيف اصبحت يابن رسول الله؟ قال: ويحك اما آن لك ان تعلم كيف اصبحت؟ اصبحنا في قومنا مثل بني اسرائيل في آل فرعون يذبحون ابناءنا ويستحيون نساءنا واصبح خير البرية بعد محمد يلعن على المنابر، واصبح عدونا يعطى المال والشرف، واصبح من يحبنا محقورا منقوصا حقه، وكذلك لم يزل المؤمنون واصبحت العجم تعرف للعرب حقها بأن محمدا كان منها واصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا كان منها، واصبحت العرب تعرف لقريش حقها بأن محمدا كان منها واصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا كان منها واصبحنا اهل البيت لا يعرف لنا حق فهكذا اصبحنا يا منهال.
تفسير القمي - الجزء الثاني · تفسير القرآن الكريم