الأقسامتفسير القميالجزء الثاني
تفسير القمي

واما قوله: (لنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر الآية) قال: العذاب الادنى عذاب الرجعة بالسيف ومعنى قوله: (لعلهم يرجعون) يعني فانهم يرجعون في الرجعة حتى يعذبوا وقوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا) قال: كان في علم الله انهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم أئمة، حدثنا حميد بن زياد قال: حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن طلحة ابن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال الائمة في كتاب الله إمامان إمام عدل وإمام جور قال الله " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم قال " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " يقدمون امرهم قبل امر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلافا لما في كتاب الله، وقال علي بن ابراهيم في قوله (او لم يروا إنا نسوق الماء إلى الارض الجرز) قال الارض الخراب وهو مثل ضربه الله في الرجعة والقائم (عليه السلام) فلما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخبر الرجعة قالوا (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) وهذه معطوفة على قوله (ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر) فقالوا (متى هذا الفتح ان كنتم صادقين) فقال الله قل لهم (يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم ـ يا محمد ـ وانتظر انهم منتظرون) سورة الاحزاب مدنية ثلاث وسبعون آية (بسم الله الرحمن الرحيم يا ايها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما) وهذا هو الذي قال الصادق (عليه السلام): إن الله بعث نبيه باياك أعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنبي (صلى الله عليه وآله) والمعنى للناس وقوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الئ تظاهرون، منهن امهاتكم) وهو مع قوله في المجادلة " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ـ إلى قوله ـ ولدنهم ". وفي رواية أبي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف إنسان ان الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحب هذا ويبغض هذا فاما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه فمن أراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه فان شاركه في حبنا حب عدونا فليس منا ولسنا منه والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين. وقال علي بن ابراهيم في قوله (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) قال: فانه حدثني أبي عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان سبب نزول ذلك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها ورأى زيدا يباع ورآه غلاما كيسا حصيفا فاشتراه فلما نبأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاه إلى الاسلام فأسلم وكان يدعى زيد مولى محمد (صلى الله عليه وآله) فلما بلغ حارثة بن شراحبيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا، فأتى أبا طالب فقال يا ابا طالب ان ابني وقع عليه السبي وبلغني انه صار إلى ابن اخيك فسله اما ان يبيعه واما ان يفاديه واما ان يعتقه، فكلم ابوطالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو حر فليذهب كيف يشاء، فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له يا بني الحق بشرفك وحسبك، فقال زيد لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبدا، فقال له ابوه فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا لقريش؟ فقال زيد لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما دمت حيا، فغضب أبوه فقال: يا معشر قريش اشهدوا اني قد برئت منه وليس هو ابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشهدوا ان زيدا ابني أرثه ويرثني، فكان يدعى زيد بن محمد فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه وسماه زيد الحب. فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش وأبطأ عنه يوما فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله يسأل عنه فاذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر فنظر اليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لها زيد: هل لك ان اطلقك حتى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلعلك قد وقعت في قلبه؟ فقال: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله اخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك ان اطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله: لا، إذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك، ثم حكى الله فقال: (امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ـ إلى قوله ـ وكان امر الله مفعولا) فزوجه الله من فوق عرشه. فقال المنافقون: يحرم علينا نساء أبنائنا ويتزوج امرأة ابنه زيد فأنزل الله في هذا (وما جعل أدعياءكم أبناءكم ـ إلى قوله ـ يهدي السبيل) ثم قال: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ـ إلى قوله ـ ومواليكم) فاعلم الله ان زيدا ليس هو ابن محمد وإنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه، وفي هذا ايضا ما نكتبه في غير هذا الموضع في قوله: " ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " ثم نزل (لا يحل لك النساء من بعد) ما حلل عليه في سورة النساء وقوله: (ولا ان تبدل بهن من ازواج) معطوف على قصة امرأة زيد (ولو اعجبك حسنهن) اي لا يحل لك امرأة رجل ان تتعرض لها حتى يطلقها زوجها وتتزوجها انت فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا. وقوله: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجه امهاتهم) قال: نزلت وهو أب لهم وأزواجه امهاتهم، فجعل الله المؤمنين اولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل رسول الله اباهم لمن لم يقدر ان يصون نفسه ولم يكن له مال وليس له على نفسه ولاية فجعل الله تبارك وتعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) الولاية على المؤمنين من انفسهم وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خم " يا ايها الناس ألست أولى بكم من انفسكم " قالوا: بلى ثم اوجب لامير المؤمنين (عليه السلام) ما اوجبه لنفسه عليهم من الولاية فقال: " ألا من كنت مولاه فعلي مولاه " فلما جعل الله النبي ابا للمؤمنين ألزمه مؤنتهم وتربية ايتامهم فعند ذلك صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فقال: من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا او ضياعا فعلي والي، فألزم الله نبيه للمؤمنين ما يلزمه الوالد وألزم المؤمنين من الطاعة له ما يلزم الولد للوالد فكذلك ألزم امير المؤمنين (عليه السلام) ما ألزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعد ذلك وبعده الائمة (عليهم السلام) واحدا واحدا والدليل على ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) هما الوالدان قوله: " وا عبدالله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " فالوالدان رسول الله وامير المؤمنين صلوات الله عليهما وقال الصادق (عليه السلام) وكان إسلام عامة اليهود بهذا السبب لانهم أمنوا على انفسهم وعيالاتهم وقوله: (واولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) قال نزلت في الامامة وقوله: (وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم) قال: هذه الواو زيادة في قوله ومنك وإنما هو منك ومن نوح فأخذ الله الميثاق لنفسه على الانبياء ثم اخذ لنبيه (صلى الله عليه وآله) على الانبياء والائمة ثم اخذ للانبياء على رسوله (صلى الله عليه وآله). وقوله: (يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم الآية) فانها نزلت في قصة الاحزاب من قريش والعرب الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: وذلك ان قريشا تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب وجلبوا واستفزوهم لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين اجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حي بن اخطب، وهم يهود من بني هارون (عليه السلام) فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حي بن اخطب وهم إلى قريش بمكة وقال لهم ان محمدا قد وتركم ووترنا واجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا وأجلا بني عمنا بني قينقاع فسيروا في الارض واجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير اليهم فانه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة وبينهم وبين محمد عهد وميثاق وأنا احملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد (صلى الله عليه وآله) ويكونون معنا عليهم فتأتونه انتم من فوق وهم من اسفل. وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين وهو الموضع الذي يسمى بئر المطلب، فلم يزل يسير معهم حي بن اخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والاقرع بن حابس في قومه وعباس ابن مرداس في بني سليم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله ان القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة قال: فما نصنع؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجابا فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم ان يأتونا من كل وجه فانا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أشار سلمان بصواب، فامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحفره من ناحية احد إلى رائح (راتج ط) وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوما من المهاجرين والانصار يحفرونه، فامر فحملت المساحي والمعاول وبدأ رسول الله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعيى وقال: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم اغفر للانصار والمهاجرين، فلما نظر الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الفتح فبينا المهاجرون والانصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبدالله الانصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمه بذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه وقد شد على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه فقام مسرعا حتى جاءه ثم دعا بماء في إناء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه ثم شرب ومج من ذلك الماء في فيه ثم صبه على الحجر ثم اخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المداين، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة اخرى نظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اما انه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق. ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل، فقال جابر: فعلمت ان رسول الله مقوى أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر فقلت: يا رسول الله هل لك في الغذاء؟ قال: ما عندك يا جابر؟ فقلت: عناق وصاع من شعير فقال: تقدم واصلح ما عندك، قال: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها وأمرتها ان تخبز وتطبخ وتشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: بأبي انت وامي يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت، فقام (صلى الله عليه وآله) إلى شفير الخندق ثم قال: معاشر المهاجرين والانصار أجيبوا جابرا قال جابر: وكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والانصار إلا قال اجيبوا جابرا، يقال جابر: فتقدمت وقلت لاهلي: والله قد أتاك محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما لا قبل لك به، فقالت: أعلمته انت بما عندنا؟ قال: نعم،؟ الت: هو اعلم بما اتى، قال جابر: فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقي ثم نظر في التنور ثم قال: اخرجي وأبقي ثم دعا بصحنة فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل علي عشرة فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال: يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع فأكلوه ثم قال: ادخل علي عشرة فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار اصابعهم، ثم قال: علي بالذراع فأكلوا وخرجوا ثم قال: ادخل علي عشرة فأدخلتهم فاكلوا حتى نهلوا ولم ير في القصعة إلا آثار اصابعهم ثم قال: يا جابر علي بالذراع فاتيته فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع؟ قال: ذراعان، فقلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد اتيتك بثلاثة، فقال: اما لو سكت يا جابر لاكلوا الناس كلهم من الذراع، قال جابر: فاقبلت ادخل عشرة عشرة فدخلوا فيأكلون حتى اكلوا كلهم وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به اياما. قال: وحفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق وجعل له ثمانية بواب وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الانصار مع جماعة يحفظونه وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الرغابة ففرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة ايام، فاقبلت قريش ومعهم حي بن اخطب فلما نزلوا العقيق جاء حي بن اخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدق باب الحصن فسمع كعب بن اسد قرع الباب فقال لاهله: هذا اخوك قد شأم قومه وجاء الآن يشأمنا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمد وقد وفى لنا محمد وأحسن جوارنا، فنزل اليه من غرفته فقال له: من انت؟ قال: حي بن اخطب قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر، فقال: يا كعب هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الرغابة وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذيبان ولا يفلت محمد وأصحابه من هذا الجمع ابدا فافتح الباب وانقض العهد الذي بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب ارجع من حيث جئت فقال حي: ما يمنعك من فتح الباب إلا حشيشتك (خسيستك ط) التي في التنور تخاف ان اشركك فيها فافتح فانك آمن من ذلك، فقال له كعب: لعنك الله قد دخلت علي من باب دقيق ثم قال: افتحوا له الباب ففتحوا له الباب، فقال: ويلك يا كعب انقض العهد الذي بينك وبين محمد ولا ترد رأيي فان محمدا لا يفلت من هذا الجمع ابدا فان فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله ابدا، قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة ابن زيد والزبير بن ياطا فقال لهم كعب: ما ترون؟ قالوا: انت سيدنا والمطاع فينا وانت صاحب عهدنا فان نقضت نقضنا وان أقمت اقمنا معك وان خرجت خرجنا معك، فقال الزبير بن ياطا وكان شيخا كبيرا مجربا قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي انزلها الله في سفرنا بانه يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة يركب الحمار العربي ويلبس الشملة ويجتزى بالكسيرات والتميرات وهو الضحوك القتال في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فان كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها فقال حي: ليس هذا ذلك وذلك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد اسماعيل ولا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد اسماعيل ابدا لان الله قد فضلهم على الناس جميعا وجعل منهم النبوة والملك وقد عهد الينا موسى ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمد آية وإنما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه فقال لهم اخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه فأخذه حي بن اخطب ومزقه وقال قد وقع الامر فتجهزوا وتهيؤا للقتال. وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك فغمه غما شديدا وفزع اصحابه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين وكانا من الاوس وكانت بنو قريظة حلفاء الاوس فقال لهما: إئتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا فان كانوا نفسوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي وقولا عضل والفارة فجاء سعد بن معاذ واسيد بن حصين إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في جحر لنولين قريشا وليحاصرنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولينزلنك على الصغر والقماع وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالا عضل والفارة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعناء نحن أمرناهم بذلك وذلك انه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيون لقريش يتجسسون خبره وكانت عضل والفارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا فكان إذا غدر أحد ضرب بهذا المثل فيقال عضل والفارة. ورجع حي بن اخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففرحت قريش بذلك فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الاشجعي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة فان أمرتني ان آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت وان أمرت ان أخذل بين اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذل بين اليهود وقريش فانه اوقع عندي، قال: فتأذن لي ان اقول فيك ما اريد، قال قل ما بدا لك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم وقد بلغني ان محمدا قد وافق اليهود ان يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم ووعدهم إذا فعلوا ذلك ان يرد عليهم جناحهم الذي قطعه لبني النضير وقينقاع فلا أرى لكم ان تدعوهم يدخلوا في عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة فتأمنوا مكرهم وغدرهم، فقال أبوسفيان وفقك الله وأحسن جزاك مثلك أهدى النصايح ولم يعلم ابوسفيان باسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال: يا كعب تعلم مودتي لكم وقد بلغني ان ابا سفيان قال تخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد فان ظفروا كان الذكر لنا دونهم وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب فلا أرى لكم ان تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم انهم ان لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم لانه ان ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة لا تخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا. وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك فقيل لهم هذا من تدبير الفارسي الذي معه فوافى عمرو بن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد صف أصحابه بين يديه فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصاروا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلهم خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقدموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أيديهم وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من اخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو لا والله ما يفلت من يديه أحد فهلموا ندفع اليه محمدا ليقتله ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت قوله (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم ـ إلى قوله ـ وكان على الله يسيرا) وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الارض وأقبل يجول حوله ويرتجز ويقول: ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع مواقف القرن المناجز أني كذلك لم أزل متسرعا نحو الهزاهز ان الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرايز فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد، فقام اليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو ابن عبد ود فارس يليل قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادن مني فدنا منه فعممه بيده، ودفع اليه سيفه ذا الفقار فقال له اذهب وقاتل بهذا وقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته. فمر أمير المؤمنين (عليه السلام) يهرول في مشيه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجى كل فايز اني لارجو أن اقيم عليك نائحة الجنايز من ضربة نجلاء يبقى صوتها بعد الهزاهز فقال له عمرو من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وختنه فقال: والله ان أباك كان لي صديقا قديما واني اكره أن أقتلك ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي ان أختطفك برمحي هذا فأتركك شائلا بين السماء والارض لا حي ولا ميت، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قد علم ابن عمي انك ان قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار وان قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة، فقال عمرو وكلتاهما لك يا علي؟ تلك إذا قسمة ضيزى، قال علي (عليه السلام) دع هذا يا عمر واني سمعت منك وانت متعلق بأستار الكعبة تقول لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة قال: هات يا علي ! قال: أحدها تشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، قال: نح عني هذه فاسأل الثانية، فقال أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان يك صادقا فانتم أعلى به عينا وان يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره، فقال: إذا لا تتحدث نساء قريش بذلك ولا تنشد الشعراء في أشعارها اني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فالثالثة ان تنزل إلي فانك راكب وأنا راجل حتى أنا بذك فوثب عن فرسه وعرقبه وقال هذه خصلة ما ظننت ان احدا من العرب يسومني عليها ثم بدا فضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف على راسه فالقاه امير المؤمنين بدرقته فقطعها وثبت السيف على رأسه، فقال له علي (عليه السلام) يا عمرو أما كفاك اني بارزتك وانت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير؟ فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعا على ساقيه قطعهما جميعا وارتفعت بينهما عجاجة فقال المنافقون قتل علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ثم انكشف العجاجة فنظروا فاذا امير المؤمنين (عليه السلام) على صدره قد أخذ بلحيته يريد ان يذبحه فذبحه ثم اخذ رأسه وأقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول والرأس بيده: أنا علي وابن عبدالمطلب الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا علي ما كرته؟ قال: نعم يا رسول الله الحرب خديعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر بن الخطاب ان يبارز ضرار بن الخطاب فلما برز اليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال ضرار ويحك يابن صهاك أترميني في مبارزة والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته، فانهزم عنه عمر ومر نحوه ضرار وضربه على رأسه بالقناة ثم قال احفظها يا عمر؟ فاني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعدما ولي فولاه. فبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما فقال ابوسفيان لحي بن اخطب ويلك يا يهودي اين قومك فصار حي بن اخطب اليهم فقال ويلكم اخرجوا فقد نابذتم محمدا الحرب فلا انتم مع محمد ولا انتم مع قريش، فقال كعب: لسنا خارجين حتى تعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا انهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد محمد علينا عهدنا وعقدنا فانا لا نأمن ان تفر قريش ونبقى نحن في عقر دارنا ويغزونا محمد فيقتل رجالنا ويسبي نساءنا وذرارينا وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا، فقال له حي ابن اخطب تطمع في غير مطمع قد نابذت العرب محمدا الحرب فلا انتم مع محمد ولا انتم مع قريش؟ فقال كعب هذا من شؤمك إنما انت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ويغزونا محمد فقال له لك عهد الله علي وعهد موسى انه إن لم تظفر قريش بمحمد اني ارجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك، فقال كعب هو الذي قد قلته ان اعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا وإلا لم نخرج فرجع حي بن اخطب إلى قريش فأخبرهم، فلما قال يسألون الرهن قال ابوسفيان هذا والله اول الغدر قد صدق نعيم بن مسعود لا حاجة لنا في اخوان القرود والخنازير. فلما طال على اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الامر واشتد عليهم الحصار وكانوا في وقت برد شديد وأصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفا شديدا وتلم المنافقون بما حكى الله عنهم ولم يبق احد من اصحاب رسول الله إلا نافق إلا القليل وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخبر اصحابه ان العرب تتحزب ويجيؤن من فوق وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل وانه ليصيبهم جهد شديد ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وكان قوم لهم دور في اطراف المدينة فقالوا يا رسول الله تأذن لنا ان نرجع إلى دورنا فانها في اطراف المدينة وهي عورة ونخاف اليهود ان يغيروا عليها، وقال قوم هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالاعراب فان الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر اصحابه ان يحرسوا المدينة بالليل وكان امير المؤمنين (عليه السلام) على العسكر كله بالليل يحرسهم فان تحرك أحد من قريش نابذهم وكان امير المؤمنين (عليه السلام) يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلي فاذا أصبح رجع إلى مركزه ومسجد امير المؤمنين هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه وهو من مسجد الفتح إلى العقيق اكثر من غلوة نشابة، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم فدعا الله وناجاه فيما وعده وكان مما دعاه ان قال: يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم انت مولاي ووليي وولي آبائي الاولين اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا واكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوت وحولك وقدرتك، فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ان الله قد سمع مقالتك وأجاب دعوتك وأمر الدبور وهي الريح مع الملائكة ان تهزم قريشا والاحزاب، وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا وقلعت اخبيتهم ونزل جبرئيل فأخبره بذلك فنادى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حذيفة بن اليمان وكان قريبا منه فلم يجبه ثم ناداه فلم يجبه ثم ناداه الثالثة فقال لبيك يا رسول الله قال أدعوك فلا تجيبني ! قال يا رسول الله بأبي انت وامي من الخوف والبرد والجوع فقال ادخل في القوم وائتني بأخبارهم ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي فان الله قد اخبرني انه قد أرسل الرياح على قريش فهزمهم، قال حديفة فمضيت وأنا انتفض من البرد فو الله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام فقصدت خباءا عظيما فاذا نار تخبو وتوقد وإذا خيمة فيها ابوسفيان قد دلى خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد ويقول يا معشر قريش إن كنا نقاتل اهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء وإن كنا نقاتل أهل الارض فنقدر عليهم، ثم قال لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا، قال حذيفة فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني من انت؟ فقال: أنا عمرو بن العاص ثم قلت للذي عن يساري من انت؟ قال: أنا معاوية وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من انت، ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة ولولا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي لقدرت ان أقتله. ثم قال ابوسفيان لخالد بن الوليد يا ابا سليمان لابد من ان اقيم أنا وانت على ضعفاء الناس ثم قال ارتحلوا إنا مرتحلون ففروا منهزمين فلما اصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لاصحابه: لا تبرحوا فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نفر يسير وكان ابن فرقد الكناني رمى سعد ابن معاذ رحمه الله بسهم في الخندق فقطع اكحله فنزفه الدم فقبض سعد على اكحله بيده ثم قال: اللهم إن كنت ابقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فلا أجد أحب إلي محاربتهم من قوم حادوا الله ورسوله وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين قريش فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فأمسك الدم وتورمت يده. وضرب رسول الله له في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه فانزل الله (يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم) يعني بني قريظة حين غدروا وخافوهم اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ـ إلى قوله ـ إن يريدون إلا فرارا) وهم الذين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فانها في اطراف المدينة ونخاف اليهود عليها فانزل الله فيهم (ان بيوتنا عورة وما هي بعورة ان يريدون إلا فرارا ـ إلى قوله ـ وكان ذلك على الله يسيرا) ونزلت هذه الآية في فلان لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا. ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يصيبهم في الخندق من الجهد، فقال: (ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا) يعني ذلك البلاء والجهد والخوف، وفي رواية أبي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أي لا يفروا أبدا (فمنهم من قضى نحبه) أي أجله وهو حمزة وجعفر ابن ابي طالب (ومنهم من ينتظر) أجله يعني عليا (عليه السلام) وقال علي بن ابراهيم في قوله (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال) بعلي بن ابي طالب (عليه السلام)، ونزل في بني قريظة (وانزل الله الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم ارضهم وديارهم وأموالهم وارضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا) فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة واللواء معقود أراد ان يغتسل من الغبار فناداه جبرئيل عذيرك من محارب ! والله ما وضعت الملائكة لامتها فكيف تضع لامتك ! ان الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة فاني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتى بلغوا حمراء الاسد فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له: ما الخبر يا حارثة؟ قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة، فقال ذاك جبرئيل ادعوا لي عليا فجاء علي (عليه السلام) فقال له ناد في الناس لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فجاء امير المؤمنين (عليه السلام) فنادى فيهم، فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن ابي طالب (عليه السلام) بين يديه مع الراية العظمى وكان حي بن اخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة، فجاء امير المؤمنين (عليه السلام) وأحاط بحصنهم فأشرف عليه كعب بن اسيد من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل رسول الله على حمار فاستقبله امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله لا تدن من الحصن، فقال رسول الله يا علي لعلهم شتموني انهم لوقد رأوني لاذلهم الله ثم دنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حصنهم فقال: يا اخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ! أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم، فأشرف عليهم كعب بن اسيد من الحصن فقال: والله يا ابا القاسم ! ما كنت جهولا فاستحيي رسول الله حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله، وكان حول الحصن نخل كثير فاشار اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة وأنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) العسكر حول حصنهم فحاصرهم ثلاثة أيام فلم يطلع أحد منهم رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل اليه غزال بن شمول فقال: يا محمد ! تعطينا ما أعطيت اخواننا من بني النضير أحقن دماءنا ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئا، فقال: لا أو تنزلون على حكمي؟ فرجع وبقوا أياما فبكت النساء والصبيان اليهم وجزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمائة وأمر بالنساء فعزلن وقامت الاوس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا يا رسول الله حلفاءنا وموالينا من دون الناس نصرونا على الخزرج في المواطن كلها وقد وهبت لعبدالله بن ابي سبع مائة ذراع وثلاثمائة حاسر في صحيفة واحدة ولسنا نحن بأقل من عبدالله بن ابي، فلما اكثروا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لهم: أما ترضون ان يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ فقالوا: بلى فمن هو؟ قال: سعد بن معاذ قالوا: قد رضينا بحكمه فاتوا به في محفة واجتمعت الاوس حوله يقولون له: يا أبا عمرو اتق الله واحسن في حلفائك ومواليك فقد نصرونا ببغات والحدايق والمواطن كلها، فلما اكثروا عليه قال لقد آن لسعد ان لا يأخذه في الله لومة لائم، فقالت الاوس واقوماه ذهبت والله بنو قريظة وبكت النساء والصبيان إلى سعد، فلما سكتوا قال لهم سعد: يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم؟ فقالوا: بلى قد رضينا بحكمك وقد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك، فعاد عليهم القول فقالوا بلى يا ابا عمرو ! فالتفت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إجلالا له، فقال: ما ترى بأبي انت وامي يا رسول الله؟ قال: احكم فيهم يا سعد ! فقد رضيت بحكمك فيهم، فقال: قد حكمت يا رسول الله ان تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وذراريهم وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والانصار فقام رسول الله فقال قد حكمت بحكم الله من فوق سبع رقعة ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزف الدم حتى قضى، وساقوا الاسارى إلى المدينة وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باخدود فحفرت بالبقيع فلما امسى أمر باخراج رجل رجل فكان يضرب عنقه. فقال حي بن اخطب لكعب بن اسيد: ما ترى ما يصنع محمد (صلى الله عليه وآله) بهم؟ فقال له: ما يسؤك أما ترى الداعي لا يقلع والذي يذهب لا يرجع فعليكم بالصبر والثبات على دينكم، فاخرج كعب بن اسيد مجموعة يديه إلى عنقه وكان جميلا وسيما فلما نظر اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له يا كعب أما نفعتك وصية ابن الحواس الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام فقال تركت الخمر والخنزير وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث مخرجه بمكة ومهاجرته في هذه البحيرة يجتزى بالكسيرات والتميرات ويركب الحمار العري في عينيه حمرة بين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فقال قد كان ذلك يا محمد ! ولولا ان اليهود يعيروني اني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك ولكني على دين اليهود عليه احيى وعليه اموت، فقال رسول الله قدموه فاضربوا عنقه، فضربت ثم قدم حي بن اخطب فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا فاسق كيف رأيت صنع الله بك؟ فقال والله يا محمد ! ما ألوم نفسي في عداوتك ولقد قلقلت كل مقلقل وجهدت كل الجهد ولكن من يخذل الله يخذل، ثم قال حين قدم للقتل: لعمرك ما لام ابن اخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يخذل فقدم وضرب عنقه فقتلهم رسول الله في البردين بالغداة والعشي في ثلاثة أيام وكان يقول: اسقوهم العذب واطعموهم الطيب واحسنوا إلى أساراهم، حتى قتلهم كلهم وأنزل الله على رسوله (وأنزل الذنى ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم) أي من حصونهم (وقذف في قلوبهم الرعب ـ إلى قوله ـ وكان الله على كل شئ قديرا).

تفسير القمي - الجزء الثاني · تفسير القرآن الكريم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.