الأقسامتفسير القميالجزء الثاني
تفسير القمي

واما قوله (يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) فانه كان سبب نزولها ان النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) واذا كان بالليل خرجن إلى صلاة المغرب والعشاء والآخرة والغداة، يقعد الشبان لهن في طريقهن فيؤذونهن ويتعرضون لهن فانزل الله " يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين ـ إلى قوله ـ ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما " واما قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ـ اى شك ـ والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك) نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج في بعض غزواته يقولون قتل وأسر فيغتم المسلمون لذلك ويشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانزل الله في ذلك " لئن لم ينته المنافقون ـ إلى قوله ـ ثم لا يجاورونك إلا قليلا " أي نأمرك باخراجهم من المدينة إلا قليلا (ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا) وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ملعونين فوجبت عليهم اللعنة، يقول الله بعد اللعنة اينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا. وقال علي بن ابراهيم في قوله (يوم تقلب وجوههم في النار) فانها كناية عن الذين غصبوا آل محمد حقهم (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول) يعني في أمير المؤمنين (عليه السلام) (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا) وهما رجلان والسادة والكبراء هما أول من بدأ بظلمهم وغصبهم وقوله (فاضلونا السبيلا) أي طريق الجنة، والسبيل امير المؤمنين (عليه السلام) ثم يقولون (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) واما قوله (يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبراه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) أي ذاجاه قال وحدثني أبي عن النضر بن سويد عن صفوان عن ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) ان بني إسرائيل كانوا يقولون ليس لموسى ما للرجال وكان موسى إذا أراد الاغتسال يذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من الناس وكان يوما يغتسل على شط نهر وقد وضع ثيابه على صخرة فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل اليه فعلموا انه ليس كما قالوا فانزل الله (يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا... الخ) أخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن احمد بن النضر عن محمد بن مروان رفعه اليهم (عليه السلام) فقال يا ايها الذين آمنوا لا تؤذوا رسول الله في علي (عليه السلام) والائمة (عليهم السلام) كما آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. وقال علي بن ابراهيم في قوله (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) أي صحيحا أخبرنا الحسين بن محمد عن المعلى بن محمد عن علي بن اسباط عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) في قوله (ومن يطع الله ورسوله) في ولاية علي والائمة (عليهم السلام) من بعده (فقد فاز فوزا عظيما) هكذا نزلت والله. وقال علي بن ابراهيم في قوله (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين ان يحملنها) قال الامانة هي الامامة والامر والنهي والدليل على ان الامانة هي الامامة قوله عزوجل في الائمة " ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها " يعني الامامة فالامانة هي الامامة عرضت على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها، قال: ابين ان يدعوها او يغصبوها أهلها (واشفقن منها وحملها الانسان) أي فلان (انه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما). سورة سبأ مكية آياتها اربع وخمسون (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الارض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الارض) قال ما يدخل فيها وما ينزل من السماء يعني المطر (وما يخرج منها) قال من النبات (وما يعرج فيها) يعني من أعمال العباد، ثم حكى عزوجل قول الدهرية فقال (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين) قال حدثنى ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وقوله (ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق) فقال: هو امير المؤمنين (عليه السلام) صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما انزل الله عليه ثم حكى قول الزنادقة فقال: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق) أي متم وصرتم ترابا (انكم لفي خلق جديد) تعجبوا ان يعيدهم الله خلقا جديدا (افترى على الله كذبا أم به جنة) أي مجنون فرد الله عليهم فقال: (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد). ثم ذكر ما أعطى داود فقال: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال اوبي معه) أي سبحي لله (والطير وألنا له الحديد) قال: كان داود إذا مر في البراري يقرأ الزبور تسبح الجبال والطير والوحوش معه وألان الله له الحديد مثل الشمع حتى كان يتخذ منه ما أحب، وقال الصادق (عليه السلام): اطلبوا الحوائج يوم الثلاثاء فانه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام) وقوله (ان اعمل سابغات) قال الدروع (وقدر في السرد) قال المسامير التي في الحلقة (واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير). وقوله: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر) قال: كانت الريح تحمل كرسي سليمان فتسير به في الغداة مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر وقوله: (وأسلنا له عين القطر) أي الصفر (ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) وقوله: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) قال في الشجر وقوله (وجفان كالجواب) أي جفون كالحفرة (وقدور راسيات) أي ثابتات ثم قال: (اعملوا آل داود شكرا) قال: اعملوا ما تشكرون عليه ثم قال: (وقليل من عبادي الشكور) ثم قال (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منساته) قال: لما اوحى الله إلى سليمان انك ميت أمر الشياطين ان يتخذوا له بيتا من قوارير ووضعوه في لجة البحر ودخله سليمان (عليه السلام) فاتكأ على عصاه وكان يقرأ الزبور والشياطين حوله ينظرون اليه لا يجسرون أن يبرحوا فبينا هو كذلك إذ حان منه التفاتة فاذا هو برجل معه في القبة ففزع منه سليمان فقال له: من أنت؟ فقال له: أنا الذي لا اقبل الرشى ولا اهاب الملوك فقبضه وهو متكئ على عصاه سنة والجن يعملون له ولا يعلمون بموته حتى بعث الله الارضة فأكلت منسأته (فلما خر ـ على وجهه ـ تبينت الانس ان لو كانوا أي الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) فكذا نزلت هذه الآية وذلك لان الانس كانوا يقولون ان ان الجن يعلمون الغيب فلما سقط سليمان على وجهه علم الانس ان لو يعلم الجن الغيب لم يعملوا سنة لسليمان وهو ميت ويتوهمونه حيا، قال: فالجن تشكر الارضة بما عملت بعصا سليمان، قال: فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره هذا ما وضعه آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز الملك والعلم من أراد كذا وكذا فليعمل كذا وكذا ثم دفنه تحت السرير ثم استثاره لهم فقال الكافرون ما كان يغلبنا سليمان إلا بهذا وقال المؤمنون ما هو إلا عبدالله ونبيه وقوله: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال) قال: فان بحرا كان من اليمن وكان سليمان أمر جنوده أن يجروا لهم خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند ففعلوا ذلك وعقدوا له عقدة عظيمة من الصخر والكلس حتى يفيض على بلادهم، وجعلوا للخليج مجاري فكانوا إذا أرادوا ان يرسلوا منه الماء أرسلوه بقدر ما يحتاجون اليه وكانت لهم جنتان عن يمين وشمال عن مسيرة عشرة أيام فيها يمر المار لا يقع عليه الشمس من التفافهما فلما عملوا بالمعاصي وعتوا عن أمر ربهم ونهاههم الصالحون فلم ينتهوا بعث الله على ذلك السد الجرذ وهي الفارة الكبيرة فكانت تقلع الصخرة التي لا يستقيلها الرجل ويرمي بها، فلما رأى ذلك قوما منهم هربوا وتركوا البلاد فما زال الجرذ يقلع الحجر حتى خربوا ذلك السد فلم يشعروا حتى غشيهم السيل وخرب بلادهم وقلع اشجارهم وهو قوله: (لقد كان لسسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ـ إلى قوله ـ سيل العرم) أي العظيم الشديد (فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى اكل خمط) وهو ام غيلان (وأثل) قال: هو نوع من الطرفا (وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا ـ إلى قوله ـ باركنا فيها) قال مكة. وقوله: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) قال فانه حدثنى ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لما أمر الله نبيه ان ينصب امير المؤمنين (عليه السلام) للناس في قوله " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في علي " بغدير خم فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه " فجاءت الابالسة إلى إبليس الاكبر وحثوا التراب على رؤسهم فقال لهم إبليس ما لكم؟ فقالوا ان هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شئ إلى يوم القيامة، فقال لهم إبليس كلا ان الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني. فانزل الله على رسوله " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه الآية " وقوله (وما كان له عليهم من سلطان) كناية عن إبليس (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ) ثم قال عزوجل احتجاجا منه على عبدة الاوثان (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وما لهم فيهما) كناية عن السماوات والارض (من شرك وما له منهم من ظهير) وقوله (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) قال لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله يوم القيامة حتى يأذن الله له إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان الله قد أذن له في الشفاعة من قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللائمة من ولده، ثم بعد ذلك للانبياء (عليهم السلام). قال: حدثنى ابي عن ابن ابي عمير عن معاوية بن عمار عن ابي العباس المكبر قال: دخل مولى لامرأة علي بن الحسين (عليه السلام) على ابي جعفر (عليه السلام) يقال له ابوايمن، فقال يا ابا جعفر يغرون الناس ويقولون " شفاعة محمد شفاعة محمد " فغضب ابوجعفر (عليه السلام) حتى تربد وجهه ثم قال: ويحك يا ابا ايمن اغرك ان عف بطنك وفرجك اما لو قد رأيت افزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؟ ثم قال: ما أحد من الاولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة، ثم قال أبوجعفر (عليه السلام): إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشفاعة في امته ولنا الشفاعة في شيعتنا ولشيعتنا الشفاعة في أهاليهم ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر فان المؤمن ليشفع حتى لخادمه ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين ان بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث محمد فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فسمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم يقول كشف عن قلوبهم فقال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وقوله: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا) يقول يقضي بيننا (بالحق وهو الفتاح العليم) قال: القاضي العليم.

تفسير القمي - الجزء الثاني · تفسير القرآن الكريم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.