قوله (او من ينشؤا في الحلية) أي ينشؤا في الذهب (وهو في الخصام غير مبين) قال ان موسى (عليه السلام) أعطاه الله من القوة ان ارى فرعون صورته على فرس من ذهب رطب عليه ثياب من ذهب رطب، فقال فرعون او من ينشؤا في الحلية أي ينشؤا بالذهب وهو في الخصام غير مبين قال: لا يبين الكلام ولا يتبين من الناس ولو كان نبيا لكان بخلاف الناس قوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا) معطوف على ما قالت قريش إن الملائكة بنات الله في قوله: وجعلوا له من عباده جزءا فرد الله عليهم فقال: (اشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) وقوله (ان هم إلا يخرصون) أي يحتجون (يخمون ط) بلا علم وقوله (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امة) أي على مذهب (وإنا على آثارهم مهتدون) ثم قال عزوجل (وإذ قال ابراهيم لابيه وقومه انني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) أي خلقني (فانه سيهدين) أي سيبين لي ويثيب ثم ذكر الائمة (عليهم السلام) فقال (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) يعني فانهم يرجعون أي الائمة إلى الدنيا ثم حكى الله عزوجل قول قريش (وقالوا لولا نزل هذا القرآن) يعني هلا نزل هذا القرآن (على رجل من القريتين عظيم) وهو عروة بن مسعود والقريتين مكة والطايف، وكان جزاؤكم (جزاهم ط) ما تحتمل الذباب، وكان عم المغيرة ابن شعبة فرد الله عليهم فقال: (أهم يقسمون رحمة ربك) يعني النبوة والقرآن حين قالوا لم لم ينزل على عروة بن مسعود ثم قال الله (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) يعني في المال والبنين (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون) فهذا من اعظم دلالة الله على التوحيد لانه خالف بين هيآتهم وتشابههم وإراداتهم وأهوائهم ليستعين بعضهم على بعض لان أحدا لا يقوم بنفسه لنفسه والملوك والخلفاء لا يستغنون عن الناس وبهذا قامت الدنيا والخلق المأمورون المنهيون المكلفون ولو احتاج كل إنسان ان يكون بناءا لنفسه وخياطا لنفسه وحجاما لنفسه وجميع الصناعات التي يحتاج اليها لما قام العالم طرفة عين لانه لو طلب كل إنسان العلم ما قامت الدنيا ولكنه عزوجل خالف بينهم وبين هيآتهم وذلك من أعظم الدلالة على التوحيد. وقوله: (ولولا ان يكون الناس أمة واحدة) أي على مذهب واحد (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) قال: المعارج التي يظهرون بها (ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا) قال البيت المزخرف بالذهب فقال الصادق (عليه السلام): لو فعل الله ذلك لما آمن أحد ولكنه جعل في المؤمنين أغنياء وفي الكافرين فقراء وجعل في الكافرين أغنياء وفي المؤمنين فقراء ثم امتحنهم بالامر والنهي والصبر والرضى قوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) أي يعمى (نقيض له شيطانا فهو له قرين) وقوله (فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون) قال فانه حدثني أبى عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن يحيى بن سعيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: فاما نذهبن بك يا محمد من مكة إلى المدينة فانا رادوك اليها ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله (وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) قال: فانه حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن أبى حمزة الثمالي عن ابي الربيع قال حججت مع أبي جعفر في السنة التي حج فيها هشام بن عبدالملك وكان معه نافع بن الازرق مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال لهشام: يا أمير المؤمنين من هذا الذي تتكافأ عليه الناس؟ فقال هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) فقال نافع: لآتينه فلاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي او وصي نبي او ابن وصى نبي، فقال هشام: فاذهب اليه فسله فلعلك أن تخجله، فجاء نافع واتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال يا محمد بن علي اني قد قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي او وصي نبي او ابن وصي نبي، فرفع اليه ابوجعفر (عليه السلام) رأسه فقال سل فقال اخبرني كم بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) من سنة فقال اخبرك بقولي او بقولك قال اخبرني بالقولين جميعا فقال اما بقولي فخمسمائة سنة واما بقولك فستمائة سنة قال فاخبرني عن قول الله " وسئل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " من ذا الذي سأل محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ! قال فتلا ابوجعفر (عليه السلام) هذه الآية " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " فكان من الآيات التي أراها الله محمدا (صلى الله عليه وآله) حين أسرى به إلى بيت المقدس ان حشر الله الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا ثم قال في إقامته حي على خير العمل ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) وصلى بالقوم فانزل الله عليه " وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " الآية فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما تشهدون وما كنتم تعبدون قالوا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وانك رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا، قال نافع صدقت يا بن رسول الله يا ابا جعفر انتم والله أوصياء رسول الله وخلفاؤه في التوراة وأسماؤكم في الانجيل وفي الزبور وفي القرآن وانتم احق بالامر من غيركم. ثم حكى قول فرعون واصحابه لموسى (عليه السلام) فقال (وقالوا يا ايها الساحر) أي يا ايها العالم (ادع لنا ربك بما عهد عندك اننا لمهتدون) ثم قال فرعون: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) يعني موسى (ولا يكاد يبين) فقال لم يبين الكلام ثم قال (فلولا ألقي عليه اسورة) أي هلا ألقي عليه اسورة (من ذهب او جاء معه الملائكة مقترنين) يعني مقارنين (فاستخف قومه) فلما دعاهم (اطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا ـ إلى عصونا ـ انتقمنا منهم) لانه لا يأسف عزوجل كأسف الناس وقوله (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون) قال فانه حدثني أبي عن وكيع عن الاعمش عن سلمة بن كهيل عن ابي صادق عن ابي الاعز عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في اصحابه إذ قال انه يدخل عليكم الساعة شبيه عيسى بن مريم فخرج بعض من كان جالسا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليكون هو الداخل، فدخل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال الرجل لبعض اصحابه أما يرضى محمد ان فضل عليا علينا حتى يشبهه بعيسى بن مريم والله لآلهتنا التي كنا نعبدها في الجاهلية افضل منه، فانزل الله في ذلك المجلس " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يضجون " فحرفوها يصدون (وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ان علي إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) فمحي اسمه عن هذا الموضع ثم ذكر الله خطر امير المؤمنين (عليه السلام) وعظم شأنه عنده تعالى فقال (هذا صراط مستقيم) يعني امير المؤمنين (عليه السلام) وقوله (فاستمسك بالذي اوحي اليك انك على صراط مستقيم) حدثنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبدالكريم بن عبدالرحيم عن محمد بن علي عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: نزلت هاتان الآيتان هكذا، قول الله (حتى إذا جاءنا ـ يعني فلانا وفلانا ـ يقول أحدهما لصاحبه حين يراه يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) فقال الله لنبيه قل لفلان وفلان واتباعهما (لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ـ آل محمد حقهم ـ انكم في العذاب مشتركون) ثم قال الله لنبيه (أفانت تسمع الصم او تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون) يعنى من فلان ثم اوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) (فاستمسك بالذي اوحي اليك في علي انك على صراط مستقيم) يعني انك على ولاية علي وعلي هو الصراط المستقيم، حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا يحيى بن زكريا عن علي بن حسان عن عبدالرحمن بن كثير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له قوله: (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) فقال الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤلون (ولا يصدنكم الشيطان) يعنى فلانا لا يصدنك عن امير المؤمنين (انه لكم عدو مبين) قوله (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) يعنى الاصدقاء يعادي بعضهم بعضا، وقال الصادق (عليه السلام) ألا كل خلة كانت في الدنيا في غير الله فانها تصير عداوة يوم القيامة وقال امير المؤمنين (عليه السلام): وللظالم غدا بكفه (يكفيه عضة يديه ط) عضة وللرجل وشيك وللاخلاء ندامة إلا المتقين.
تفسير القمي - الجزء الثاني · تفسير القرآن الكريم