في الإحتجاج: رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ سُؤَالِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي أَتَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى صَانِعِ الْعَالَمِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صَانِعَهَا صَنَعَهَا أَ لَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وَ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَ لَمْ تُشَاهِدْهُ قَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ هُوَ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي شَيْءٌ إِلَى إِثْبَاتِهِ وَ أَنَّهُ شَيْءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا يُغَيِّرُهُ الزَّمَانُ قَالَ السَّائِلُ فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُوماً إِلَّا مَخْلُوقاً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ التَّوْحِيدُ مِنَّا مُرْتَفِعاً فَإِنَّا لَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَعْتَقِدَ غَيْرَ مَوْهُومٍ لَكِنَّا نَقُولُ كُلُّ مَوْهُومٍ بِالْحَوَاسِّ مُدْرَكٌ بِهَا تَحُدُّهُ الْحَوَاسُّ مُمَثَّلًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ صَانِعِ الْأَشْيَاءِ خَارِجاً مِنَ الْجِهَتَيْنِ الْمَذْمُومَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا النَّفْيُ إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَ الْعَدَمَ وَ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ التَّشْبِيهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لِوُجُودِ الْمَصْنُوعِينَ وَ الِاضْطِرَارِ مِنْهُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ مَصْنُوعُونَ وَ أَنَّ صَانِعَهُمْ غَيْرُهُمْ وَ لَيْسَ مِثْلَهُمْ إِذْ كَانَ مِثْلُهُمْ شَبِيهاً بِهِمْ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ وَ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُوثِهِمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَ تَنَقُّلِهِمْ مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ وَ سَوَادٍ إِلَى بَيَاضٍ وَ قُوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ وَ أَحْوَالٍ مَوْجُودَةٍ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَفْسِيرِهَا لِثَبَاتِهَا وَ وُجُودِهَا قَالَ السَّائِلُ فَأَنْتَ قَدْ حَدَدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)لَمْ أَحْدُدْهُ وَ لَكِنْ أَثْبَتُّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَ النَّفْيِ مَنْزِلَةٌ قَالَ السَّائِلُ فَقَوْلُهُ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)بِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَ كَذَلِكَ هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ حَامِلًا لَهُ وَ لَا أَنَّ الْعَرْشَ مَحَلٌّ لَهُ لَكِنَّا نَقُولُ هُوَ حَامِلٌ لِلْعَرْشِ وَ مُمْسِكٌ لِلْعَرْشِ وَ نَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فَثَبَّتْنَا مِنَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ مَا ثَبَّتَهُ وَ نَفَيْنَا أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ وَ الْكُرْسِيُ حَاوِياً لَهُ وَ أَنْ يَكُونَ عَزَّ وَ جَلَّ مُحْتَاجاً إِلَى مَكَانٍ أَوْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ بَلْ خَلْقُهُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَالَ السَّائِلُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَرْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَيْنَ أَنْ تَخْفِضُوهَا نَحْوَ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ وَ إِحَاطَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ سَوَاءٌ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ أَوْلِيَاءَهُ وَ عِبَادَهُ بِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ إِلَى السَّمَاءِ نَحْوَ الْعَرْشِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدِنَ الرِّزْقِ فَثَبَّتْنَا مَا ثَبَّتَهُ الْقُرْآنُ وَ الْأَخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ(صلى الله عليه وآله وسلم)حِينَ قَالَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَذَا تُجْمِعُ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا. يد، التوحيد الدقاق عن أبي القاسم العلوي عن البرمكي عن الحسين بن الحسن عن إبراهيم بن هاشم القمي عن العباس بن عمرو الفقيمي عن هشام بن الحكم مثله مع زيادة أثبتناها في باب احتجاج الصادق(عليه السلام)على الزنادقة بيان قوله(عليه السلام)و أنه شيء بحقية الشيئية المراد بالشيئية إما الوجود أو معنى مساوق له و على التقديرين فالمراد إما بيان عينية الوجود أو قطع طمع السائل عن تعقل كنهه تعالى بل بأنه شيء و أنه بخلاف الأشياء و الجس بالجيم المس قوله فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا أي يلزم مما ذكرت أنه لا تدركه الأوهام أن كل ما يحصل في الوهم يكون مخلوقا فأجاب(عليه السلام)بما حاصله أن مرادنا أنه تعالى لا يدرك كنه حقيقته العقول و الأوهام و لا يتمثل أيضا في الحواس إذ هو مستلزم للتشبيه بالمخلوقين و لو كان كما توهمت من أنه لا يمكن تصوره تعالى بوجه من الوجوه لكان تكليفنا بالتصديق بوجوده و توحيده و سائر صفاته تكليفا بالمحال إذ لا يمكن التصديق بثبوت شيء لشيء بدون تصور ذلك الشيء فهذا القول مستلزم لنفي وجوده و سائر صفاته عنه تعالى بل لا بد في التوحيد من إخراجه عن حد النفي و التعطيل و عن حد التشبيه بالمخلوقين ثم استدل(عليه السلام)بتركيبهم و حدوثهم و تغير أحوالهم و تبدل أوضاعهم على احتياجهم إلى صانع منزه عن جميع ذلك غير مشابه لهم في الصفات الإمكانية و إلا لكان هو أيضا مفتقرا إلى صانع لاشتراك علة الافتقار.
بحار الأنوار — كتاب التوحيد · إثبات الصانع و الاستدلال بعجائب صنعه على وجوده و علمه و قدرته و سائر صفاته