الأقسامبحار الأنواركتاب التوحيد
بحار الأنوار

حَدَّثَنِي مُحْرِزُ بْنُ سَعِيدٍ النَّحْوِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُسْهِرٍ بِالرَّمْلَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(عليه السلام)يُعْلِمُهُ أَنَّ أَقْوَاماً ظَهَرُوا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ يَجْحَدُونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَ يُجَادِلُونَ عَلَى ذَلِكَ وَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا ادَّعَوْا بِحَسَبِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ فَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ لِطَاعَتِهِ وَ أَوْجَبَ لَنَا بِذَلِكَ رِضْوَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَصَلَ كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ مَا ظَهَرَ فِي مِلَّتِنَا وَ ذَلِكَ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ بِالرُّبُوبِيَّةِ قَدْ كَثُرَتْ عِدَّتُهُمْ وَ اشْتَدَّتْ خُصُومَتُهُمْ وَ تَسْأَلُ أَنْ أَصْنَعَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَ النَّقْضِ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ كِتَاباً عَلَى نَحْوِ مَا رَدَدْتُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَ الِاخْتِلَافِ وَ نَحْنُ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى النِّعَمِ السَّابِغَةِ وَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ وَ الْبَلَاءِ الْمَحْمُودِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ فَكَانَ مِنْ نِعَمِهِ الْعِظَامِ وَ آلَائِهِ الْجِسَامِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا تَقْرِيرُهُ قُلُوبَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَ أَخْذُهُ مِيثَاقَهُمْ بِمَعْرِفَتِهِ وَ إِنْزَالُهُ عَلَيْهِمْ كِتَاباً فِيهِ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنْ أَمْرَاضِ الْخَوَاطِرِ وَ مُشْتَبِهَاتِ الْأُمُورِ وَ لَمْ يَدَعْ لَهُمْ وَ لَا لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ حَاجَةً إِلَى مَنْ سِوَاهُ وَ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَ لَعَمْرِي مَا أُتِيَ الْجُهَّالُ مِنْ قِبَلِ رَبِّهِمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ الدَّلَالاتِ الْوَاضِحَاتِ وَ الْعَلَامَاتِ الْبَيِّنَاتِ فِي خَلْقِهِمْ وَ مَا يُعَايِنُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الصُّنْعَ الْعَجِيبَ الْمُتْقَنَ الدَّالَّ عَلَى الصَّانِعِ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ فَتَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبْوَابَ الْمَعَاصِي وَ سَهَّلُوا لَهَا سَبِيلَ الشَّهَوَاتِ فَغَلَبَتِ الْأَهْوَاءُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ بِظُلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ وَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ وَ الْعَجَبُ مِنْ مَخْلُوقٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَخْفَى عَلَى عِبَادِهِ وَ هُوَ يَرَى أَثَرَ الصُّنْعِ فِي نَفْسِهِ بِتَرْكِيبٍ يَبْهَرُ عَقْلَهُ وَ تَأْلِيفٍ يُبْطِلُ حُجَّتَهُ وَ لَعَمْرِي لَوْ تَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَعَايَنُوا مِنْ أَمْرِ التَّرْكِيبِ الْبَيِّنِ وَ لُطْفِ التَّدْبِيرِ الظَّاهِرِ وَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ مَخْلُوقَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ تَحَوُّلِهَا مِنْ طَبِيعَةٍ إِلَى طَبِيعَةٍ وَ صَنِيعَةٍ بَعْدَ صَنِيعَةٍ مَا يَدُلُّهُمْ ذَلِكَ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَثَرُ تَدْبِيرٍ وَ تَرْكِيبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقاً مُدَبِّراً وَ تَأْلِيفٌ بِتَدْبِيرٍ يَهْدِي إِلَى وَاحِدٍ حَكِيمٍ وَ قَدْ وَافَانِي كِتَابُكَ وَ رَسَمْتُ لَكَ كِتَاباً كُنْتُ نَازَعْتُ فِيهِ بَعْضَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُنِي طَبِيبٌ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَ كَانَ لَا يَزَالُ يُنَازِعُنِي فِي رَأْيِهِ وَ يُجَادِلُنِي عَلَى ضَلَالَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً يَدُقُّ إِهْلِيلَجَةً لِيَخْلِطَهَا دَوَاءً احْتَجْتُ إِلَيْهِ مِنْ أَدْوِيَتِهِ إِذْ عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُنَازِعُنِي فِيهِ مِنِ ادِّعَائِهِ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَ لَا تَزَالُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ وَ أُخْرَى تَسْقُطُ نَفْسٌ تُولَدُ وَ أُخْرَى تَتْلَفُ وَ زَعَمَ أَنَّ انْتِحَالِي الْمَعْرِفَةَ لِلَّهِ تَعَالَى دَعْوَى لَا بَيِّنَةَ لِي عَلَيْهَا وَ لَا حُجَّةَ لِي فِيهَا وَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ أَخَذَهُ الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ وَ الْأَصْغَرُ عَنِ الْأَكْبَرِ وَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَ الْمُؤْتَلِفَةَ وَ الْبَاطِنَةَ وَ الظَّاهِرَةَ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ نَظَرِ الْعَيْنِ وَ سَمْعِ الْأُذُنِ وَ شَمِّ الْأَنْفِ وَ ذَوْقِ الْفَمِ وَ لَمْسِ الْجَوَارِحِ ثُمَّ قَادَ مَنْطِقُهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي وَضَعَهُ فَقَالَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ حَوَاسِّي عَلَى خَالِقٍ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِي إِنْكَاراً لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَ تَحْتَجُّ فِي مَعْرِفَةِ رَبِّكَ الَّذِي تَصِفُ قُدْرَتَهُ وَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِالدَّلَالاتِ الْخَمْسِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ قُلْتُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِي قَلْبِي وَ الدَّلِيلِ الَّذِي أَحْتَجُّ بِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ قَالَ فَأَنَّى يَكُونُ مَا تَقُولُ وَ أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً بِغَيْرِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ فَهَلْ عَايَنْتَ رَبَّكَ بِبَصَرٍ أَوْ سَمِعْتَ صَوْتَهُ بِأُذُنٍ أَوْ شَمِمْتَهُ بِنَسِيمٍ أَوْ ذُقْتَهُ بِفَمٍ أَوْ مَسِسْتَهُ بِيَدٍ فَأَدَّى ذَلِكَ الْمَعْرِفَةَ إِلَى قَلْبِكَ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَنْكَرْتَ اللَّهَ وَ جَحَدْتَهُ لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تُحِسُّهُ بِحَوَاسِّكَ الَّتِي تَعْرِفُ بِهَا الْأَشْيَاءَ وَ أَقْرَرْتُ أَنَا بِهِ هَلْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُنَا صَادِقاً وَ الْآخَرُ كَاذِباً قَالَ لَا قُلْتُ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكَ فَهَلْ يُخَافُ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا أُخَوِّفُكَ بِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَمَا أَقُولُ وَ الْحَقُّ فِي يَدِي أَ لَسْتُ قَدْ أَخَذْتُ فِيمَا كُنْتُ أُحَاذِرُ مِنْ عِقَابِ الْخَالِقِ بِالثِّقَةِ وَ أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ بِجُحُودِكَ وَ إِنْكَارِكَ فِي الْهَلَكَةِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيُّنَا أَوْلَى بِالْحَزْمِ وَ أَقْرَبُ مِنَ النَّجَاةِ قَالَ أَنْتَ إِلَّا أَنَّكَ مِنْ أَمْرِكَ عَلَى ادِّعَاءٍ وَ شُبْهَةٍ وَ أَنَا عَلَى يَقِينٍ وَ ثِقَةٍ لِأَنِّي لَا أَرَى حَوَاسِّيَ الْخَمْسَ أَدْرَكَتْهُ وَ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَلَيْسَ عِنْدِي بِمَوْجُودٍ قُلْتُ إِنَّهُ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِ اللَّهِ أَنْكَرْتَهُ وَ أَنَا لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسِّي عَنْ إِدْرَاكِ اللَّهِ تَعَالَى صَدَّقْتُ بِهِ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَرَى فِيهِ أَثَرُ تَرْكِيبٍ لَجِسْمٌ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرٌ لَلَوْنٌ فَمَا أَدْرَكَتْهُ الْأَبْصَارُ وَ نَالَتْهُ الْحَوَاسُّ فَهُوَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْخَلْقَ وَ أَنَّ هَذَا الْخَلْقَ يَنْتَقِلُ بِتَغْيِيرٍ وَ زَوَالٍ وَ كُلُّ شَيْءٍ أَشْبَهَ التَّغْيِيرَ وَ الزَّوَالَ فَهُوَ مِثْلُهُ وَ لَيْسَ الْمَخْلُوقُ كَالْخَالِقِ وَ لَا الْمُحْدَثُ كَالْمُحْدِثِ. 6 متن قَالَ إِنَّ هَذَا لَقَوْلٌ وَ لَكِنِّي لَمُنْكِرٌ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى قَلْبِي فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَ لَزِمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ قُلْتُ أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَعْتَصِمَ بِالْجَهَالَةِ وَ تَجْعَلَ الْمُحَاجَزَةَ حُجَّةً فَقَدْ دَخَلْتَ فِي مِثْلِ مَا عِبْتَ وَ امْتَثَلْتَ مَا كَرِهْتَ حَيْثُ قُلْتَ إِنِّي اخْتَرْتُ الدَّعْوَى لِنَفْسِي لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي عِنْدِي بِلَا شَيْءٍ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّكَ نَقَمْتَ عَلَيَّ الِادِّعَاءَ وَ دَخَلْتَ فِيهِ فَادَّعَيْتَ أَمْراً لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً وَ لَمْ تَقُلْهُ عِلْماً فَكَيْفَ اسْتَجَزْتَ لِنَفْسِكَ الدَّعْوَى فِي إِنْكَارِكَ اللَّهَ وَ دَفْعِكَ أَعْلَامَ النُّبُوَّةِ وَ الْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ وَ عِبْتَهَا عَلَيَّ أَخْبِرْنِي هَلْ أَحَطْتَ بِالْجِهَاتِ كُلِّهَا وَ بَلَغْتَ مُنْتَهَاهَا قَالَ لَا قُلْتُ فَهَلْ رَقِيتَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَرَى أَوِ انْحَدَرْتَ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى فَجُلْتَ فِي أَقْطَارِهَا أَوْ هَلْ خُضْتَ فِي غَمَرَاتِ الْبُحُورِ وَ اخْتَرَقْتَ نَوَاحِيَ الْهَوَاءِ فِيمَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ تَحْتَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَ مَا أَسْفَلَ مِنْهَا فَوَجَدْتَ ذَلِكَ خَلَاءً مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ عَالِمٍ بَصِيرٍ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ قَلْبُكَ هُوَ فِي بَعْضِ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسُّكَ وَ لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُكَ قَالَ لَا أَدْرِي لَعَلَّ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْتَ مُدَبِّراً وَ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ قُلْتُ أَمَّا إِذْ خَرَجْتَ مِنْ حَدِّ الْإِنْكَارِ إِلَى مَنْزِلَةِ الشَّكِّ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ قَالَ فَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ الشَّكُّ لِسُؤَالِكَ إِيَّايَ عَمَّا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمِي وَ لَكِنْ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيَّ الْيَقِينُ بِمَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي قُلْتُ مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ هَذِهِ قَالَ ذَاكَ إِذاً أَثْبَتُ لِلْحُجَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ آدَابِ الطِّبِّ الَّذِي أُذْعِنُ بِمَعْرِفَتِهِ قُلْتُ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَ لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْهَا لَأَتَيْتُكَ مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَثَرَ تَرْكِيبٍ وَ حِكْمَةٍ وَ شَاهِداً يَدُلُّ عَلَى الصَّنْعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْ صَنَعَهَا وَ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً وَ يُهْلِكُهُا حَتَّى لَا تَكُونَ شَيْئاً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ تَرَى هَذِهِ إِهْلِيلَجَةً قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ فَتَرَى غَيْبَ مَا فِي جَوْفِهَا قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَتَشْهَدُ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوَاةٍ وَ لَا تَرَاهَا قَالَ مَا يُدْرِينِي لَعَلَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ قُلْتُ أَ فَتَرَى أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْقِشْرِ مِنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ غَائِبٌ لَمْ تَرَهُ مِنْ لَحْمٍ أَوْ ذِي لَوْنٍ قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّ مَا ثَمَّ غَيْرُ ذِي لَوْنٍ وَ لَا لَحْمٍ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ بِالْهِنْدِ مَوْجُودَةٌ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى ذِكْرِهَا قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ فِي أَرْضٍ تَنْبُتُ قَالَ تِلْكَ الْأَرْضُ وَ هَذِهِ وَاحِدَةٌ وَ قَدْ رَأَيْتُهَا قُلْتُ أَ فَمَا تَشْهَدُ بِحُضُورِ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ عَلَى وُجُودِ مَا غَابَ مِنْ أَشْبَاهِهَا قَالَ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِهْلِيلَجَةٌ غَيْرُهَا فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِالْجَهَالَةِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ أَ تُقِرُّ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ تَقُولُ إِنَّهَا هَكَذَا وُجِدَتْ قَالَ لَا بَلْ مِنْ شَجَرَةٍ خَرَجَتْ قُلْتُ فَهَلْ أَدْرَكَتْ حَوَاسُّكَ الْخَمْسُ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ شَجَرَةٍ لَمْ تُدْرِكْهَا حَوَاسُّكَ قَالَ أَجَلْ وَ لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ شَيْءٌ لَمْ تَزَلْ تُدْرَكُ فَهَلْ عِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ تَرُدُّ بِهِ قَوْلِي قُلْتُ نَعَمْ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ هَلْ كُنْتَ عَايَنْتَ شَجَرَتَهَا وَ عَرَفْتَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةُ فِيهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ كُنْتَ تُعَايِنُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ كُنْتَ عَايَنْتَ الشَّجَرَةَ وَ لَيْسَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةُ ثُمَّ عُدْتَ إِلَيْهَا فَوَجَدْتَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةَ أَ فَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهَا مَا لَمْ تَكُنْ قَالَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْكِرَ ذَلِكَ وَ لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ فِيهَا مُتَفَرِّقَةً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ رَأَيْتَ تِلْكَ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تَنْبُتُ مِنْهَا شَجَرَةُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْرَسَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ يَحْتَمِلُ عَقْلُكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَبْلُغُ أَصْلُهَا وَ عُرُوقُهَا وَ فُرُوعُهَا وَ لِحَاؤُهَا وَ كُلُّ ثَمَرَةٍ جُنِيَتْ وَ وَرَقَةٍ سَقَطَتْ أَلْفَ أَلْفِ رِطْلٍ كَانَتْ كَامِنَةً فِي هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ قَالَ مَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْعَقْلُ وَ لَا يَقْبَلُهُ الْقَلْبُ قُلْتُ أَقْرَرْتَ أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي الشَّجَرَةِ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُقَرِّرَنِي بِذَلِكَ قُلْتُ نَعَمْ أَ رَأَيْتَ أَنِّي إِنْ أَرَيْتُكَ تَدْبِيراً أَ تُقِرُّ أَنَّ لَهُ مُدَبِّراً وَ تَصْوِيراً أَنَّ لَهُ مُصَوِّراً قَالَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ لَحْمٌ رَكِبَ عَلَى عَظْمٍ فَوُضِعَ فِي جَوْفٍ مُتَّصِلٍ بِغُصْنٍ مُرَكَّبٍ عَلَى سَاقٍ يَقُومُ عَلَى أَصْلٍ فَيَقْوَى بِعُرُوقٍ مِنْ تَحْتِهَا عَلَى جِرْمٍ مُتَّصِلٍ بَعْضٌ بِبَعْضٍ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ مُصَوَّرَةٌ بِتَقْدِيرٍ وَ تَخْطِيطٍ وَ تَأْلِيفٍ وَ تَرْكِيبٍ وَ تَفْصِيلٍ مُتَدَاخِلٍ بِتَأْلِيفِ شَيْءٍ فِي بَعْضِ شَيْءٍ بِهِ طَبَقٌ بَعْدَ طَبَقٍ وَ جِسْمٌ عَلَى جِسْمٍ وَ لَوْنٌ مَعَ لَوْنٍ أَبْيَضُ فِي صُفْرَةٍ وَ لَيِّنٌ عَلَى شَدِيدٍ فِي طَبَائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَ طَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ وَ أَجْزَاءٍ مُؤْتَلِفَةٍ مَعَ لِحَاءٍ تَسْقِيهَا وَ عُرُوقٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَ وَرَقٍ يَسْتُرُهَا وَ تَقِيهَا مِنَ الشَّمْسِ أَنْ تُحْرِقَهَا وَ مِنَ الْبَرْدِ أَنْ يُهْلِكَهُا وَ الرِّيحِ أَنْ تَذْبِلَهَا قَالَ أَ فَلَيْسَ لَوْ كَانَ الْوَرَقُ مُطَبِّقاً عَلَيْهَا كَانَ خَيْراً لَهَا قُلْتُ اللَّهُ أَحْسَنُ تَقْدِيراً لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا رِيحٌ يَرُوحُهَا وَ لَا بَرْدٌ يُشَدِّدُهَا وَ لَعَفِنَتْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا حَرُّ الشَّمْسِ لَمَا نَضِجَتْ وَ لَكِنْ شَمْسٌ مَرَّةً وَ رِيحٌ مَرَّةً وَ بَرْدٌ مَرَّةً قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقُوَّةٍ لَطِيفَةٍ وَ دَبَّرَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَالَ حَسْبِي مِنَ التَّصْوِيرِ فَسِّرْ لِيَ التَّدْبِيرَ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّكَ تَرَيَنَّهُ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْقِدَ إِذْ هِيَ فِي قِمَعِهَا مَاءً بِغَيْرِ نَوَاةٍ وَ لَا لَحْمٍ وَ لَا قِشْرٍ وَ لَا لَوْنٍ وَ لَا طَعْمٍ وَ لَا شِدَّةٍ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَرْفُقِ الْخَالِقُ ذَلِكَ الْمَاءَ الضَّعِيفَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْخَرْدَلَةِ فِي الْقِلَّةِ وَ الذِّلَّةِ وَ لَمْ يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ وَ يُصَوِّرْهُ بِحِكْمَتِهِ وَ يُقَدِّرْهُ بِقُدْرَتِهِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي قِمَعِهِ غَيْرَ مَجْمُوعٍ بِجِسْمٍ وَ قِمَعٍ وَ تَفْصِيلٍ فَإِنْ زَادَ زَادَ مَاءً مُتَرَاكِباً غَيْرَ مُصَوَّرٍ وَ لَا مُخَطَّطٍ وَ لَا مُدَبَّرٍ بِزِيَادَةِ أَجْزَاءٍ وَ لَا تَأْلِيفِ أَطْبَاقٍ قَالَ قَدْ أَرَيْتَنِي مِنْ تَصْوِيرِ شَجَرَتِهَا وَ تَأْلِيفِ خِلْقَتِهَا وَ حَمْلِ ثَمَرَتِهَا وَ زِيَادَةِ أَجْزَائِهَا وَ تَفْصِيلِ تَرْكِيبِهَا أَوْضَحَ الدَّلَالاتِ وَ أَظْهَرَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَ لَقَدْ صَدَقْتَ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مَصْنُوعَةٌ وَ لَكِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَ الْأَشْيَاءَ صَنَعَتْ أَنْفُسَهَا قُلْتُ أَ وَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ وَ الْإِهْلِيلَجَةِ حَكِيمٌ عَالِمٌ بِمَا عَايَنْتَ مِنْ قُوَّةِ تَدْبِيرِهِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَهَلْ يَنْبَغِي لِلَّذِي هُوَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدَثاً قَالَ لَا قُلْتُ أَ فَلَسْتَ قَدْ رَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ حِينَ حَدَثَتْ وَ عَايَنْتَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً ثُمَّ هَلَكَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً قَالَ بَلَى وَ إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ وَ لَمْ أُعْطِكَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَكُونُ حَادِثاً لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ قُلْتُ أَ لَمْ تُعْطِنِي أَنَّ الْحَكِيمَ الْخَالِقَ لَا يَكُونُ حَدَثاً وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ مَصْنُوعَةٌ فَهُوَ عَزَّ وَ جَلَّ صَانِعُ الْإِهْلِيلَجَةِ وَ إِنْ رَجَعْتَ إِلَى أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا فَمَا زِدْتَ أَنْ أَقْرَرْتَ بِمَا أَنْكَرْتَ وَ وَصَفْتَ صَانِعاً مُدَبِّراً أَصَبْتَ صِفَتَهُ وَ لَكِنَّكَ لَمْ تَعْرِفْهُ فَسَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لِأَنَّكَ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ مُدَبِّرٍ فَلَمَّا سَأَلْتُكَ مَنْ هُوَ قُلْتَ الْإِهْلِيلَجَةُ قَدْ أَقْرَرْتَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ لَكِنَّكَ سَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَ لَوْ عَقَلْتَ وَ فَكَّرْتَ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ أَنْقَصُ قُوَّةً مِنْ أَنْ تَخْلُقَ نَفْسَهَا وَ أَضْعَفُ حِيلَةً مِنْ أَنْ تُدَبِّرَ خَلْقَهَا قَالَ هَلْ عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ أَمْرَهَا كَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا صَغِيرَةَ الْخِلْقَةِ صَغِيرَةَ الْقُدْرَةِ نَاقِصَةَ الْقُوَّةِ لَا تَمْتَنِعُ أَنْ تُكْسَرَ وَ تُعْصَرَ وَ تُؤْكَلَ وَ كَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا مَفْضُولَةً مَأْكُولَةً مُرَّةً قَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ لَا بَهَاءَ لَهَا وَ لَا مَاءَ قَالَ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْوَ إِلَّا عَلَى مَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ لَمْ تَصْنَعْ إِلَّا مَا هَوِيَتْ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ فِي الْبَاطِلِ فَأَعْلِمْنِي مَتَى خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَوْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ خَلَقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ فَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ كَيْفَ تَكُونُ مَوْجُودَةً مَصْنُوعَةً ثُمَّ تَصْنَعُ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَيَصِيرُ كَلَامُكَ إِلَى أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ مَرَّتَيْنِ وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهَا خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَ دَبَّرَتْ خَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ إِنَّ هَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْبَاطِلِ وَ أَبْيَنِ الْكَذِبِ لِأَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَخْلُقُ لَا شَيْءَ شَيْئاً وَ كَيْفَ تَعِيبُ قَوْلِي إِنَّ شَيْئاً يَصْنَعُ لَا شَيْئاً وَ لَا تَعِيبُ قَوْلَكَ إِنَّ لَا شَيْءَ يَصْنَعُ لَا شَيْئاً فَانْظُرْ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالْحَقِّ قَالَ قَوْلُكَ قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ قَالَ قَدْ قَبِلْتُهُ وَ اسْتَبَانَ لِي حَقُّهُ وَ صِدْقُهُ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَ الْإِهْلِيلَجَةَ لَمْ يَصْنَعْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَ لَمْ يُدَبِّرْنَ خَلْقَهُنَّ وَ لَكِنَّهُ تَعْرِضُ لِي أَنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي صَنَعَتِ الْإِهْلِيلَجَةَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا قُلْتُ فَمَنْ صَنَعَ الشَّجَرَةَ قَالَ الْإِهْلِيلَجَةُ الْأُخْرَى قُلْتُ اجْعَلْ لِكَلَامِكَ غَايَةً أَنْتَهِي إِلَيْهَا فَإِمَّا أَنْ تَقُولَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَيُقْبَلُ مِنْكَ وَ إِمَّا أَنْ تَقُولَ الْإِهْلِيلَجَةُ فَنَسْأَلُكَ قَالَ سَلْ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِهْلِيلَجَةِ هَلْ تَنْبُتُ مِنْهَا الشَّجَرَةُ إِلَّا بَعْدَ مَا مَاتَتْ وَ بَلِيَتْ وَ بَادَتْ قَالَ لَا قُلْتُ إِنَّ الشَّجَرَةَ بَقِيَتْ بَعْدَ هَلَاكِ الْإِهْلِيلَجَةِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَنْ كَانَ يَحْمِيهَا وَ يَزِيدُ فِيهَا وَ يُدَبِّرُ خَلْقَهَا وَ يُرَبِّيهَا وَ يُنْبِتُ وَرَقَهَا مَا لَكَ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَقُولَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَ لَئِنْ قُلْتَ الْإِهْلِيلَجَةُ وَ هِيَ حَيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَهْلِكَ وَ تُبْلَى وَ تَصِيرَ تُرَاباً وَ قَدْ رَبَّتِ الشَّجَرَةَ وَ هِيَ مَيْتَةٌ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْتَلِفٌ قَالَ لَا أَقُولُ ذَلِكَ قُلْتُ أَ فَتُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ أَمْ قَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ إِنِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ وُقُوفٍ مَا أَتَخَلَّصُ إِلَى أَمْرٍ يَنْفُذُ لِي فِيهِ الْأَمْرُ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا الْجَهَالَةَ وَ زَعَمْتَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَوَاسِّ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَ لَا فِيهَا مَعْرِفَةٌ إِلَّا بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ دَلِيلُهَا وَ مُعَرِّفُهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِهَا. 6 متن فَقَالَ أَمَّا إِذْ نَطَقْتَ بِهَذَا فَمَا أَقْبَلُ مِنْكَ إِلَّا بِالتَّخْلِيصِ وَ التَّفَحُّصِ مِنْهُ بِإِيضَاحٍ وَ بَيَانٍ وَ حُجَّةٍ وَ بُرْهَانٍ قُلْتُ فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا ذَهَبَ الْحَوَاسُّ أَوْ بَعْضُهَا وَ دَبَّرَ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَ الْمَنْفَعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَلَانِيَةِ وَ الْخَفِيَّةِ فَأَمَرَ بِهَا وَ نَهَى فَنَفَذَ فِيهَا أَمْرُهُ وَ صَحَّ فِيهَا قَضَاؤُهُ قَالَ إِنَّكَ تَقُولُ فِي هَذَا قَوْلًا يُشْبِهُ الْحُجَّةَ وَ لَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُوضِحَهُ لِي غَيْرَ هَذَا الْإِيضَاحِ قُلْتُ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ يَبْقَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَوَاسُّ قُلْتُ أَ فَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الطِّفْلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضْغَةً لَيْسَ تَدُلُّهُ الْحَوَاسُّ عَلَى شَيْءٍ يُسْمَعُ وَ لَا يُبْصَرُ وَ لَا يُذَاقُ وَ لَا يُلْمَسُ وَ لَا يُشَمُّ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيَّةُ الْحَوَاسِّ دَلَّتْهُ عَلَى طَلَبِ اللَّبَنِ إِذَا جَاعَ وَ الضَّحِكِ بَعْدَ الْبُكَاءِ إِذَا رَوِيَ مِنَ اللَّبَنِ وَ أَيُّ حَوَاسِّ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَ لَاقِطِ الْحَبِّ مِنْهَا دَلَّهَا عَلَى أَنْ تُلْقِيَ بَيْنَ أَفْرَاخِهَا اللَّحْمَ وَ الْحَبَّ فَتَهْوَى سِبَاعُهَا إِلَى اللَّحْمِ وَ الْآخَرُونَ إِلَى الْحَبِّ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ فِرَاخِ طَيْرِ الْمَاءِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِرَاخَ طَيْرِ الْمَاءِ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ سَبَحَتْ وَ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ فِرَاخُ طَيْرِ الْبَرِّ غَرِقَتْ وَ الْحَوَاسُّ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ انْتَفَعَ بِالْحَوَاسِّ طَيْرُ الْمَاءِ وَ أَعَانَتْهُ عَلَى السِّبَاحَةِ وَ لَمْ تَنْتَفِعْ طَيْرُ الْبَرِّ فِي الْمَاءِ بِحَوَاسِّهَا وَ مَا بَالُ طَيْرِ الْبَرِّ إِذَا غَمَسْتَهَا فِي الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ وَ إِذَا أَمْسَكْتَ طَيْرَ الْمَاءِ عَنِ الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ فَلَا أَرَى الْحَوَاسَّ فِي هَذَا إِلَّا مُنْكَسِراً عَلَيْكَ وَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ جَعَلَ لِلْمَاءِ خَلْقاً وَ لِلْبَرِّ خَلْقاً أَمْ أَخْبِرْنِي مَا بَالُ الذَّرَّةِ الَّتِي لَا تُعَايِنُ الْمَاءَ قَطُّ تُطْرَحُ فِي الْمَاءِ فَتَسْبَحُ وَ تَلْقَى الْإِنْسَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ أَقْوَى الرِّجَالِ وَ أَعْقَلِهِمْ لَمْ يَتَعَلَّمِ السِّبَاحَةَ فَيَغْرَقُ كَيْفَ لَمْ يَدُلَّهُ عَقْلُهُ وَ لُبُّهُ وَ تَجَارِبُهُ وَ بَصَرُهُ بِالْأَشْيَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ حَوَاسِّهِ وَ صِحَّتِهَا أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِ كَمَا أَدْرَكَتْهُ الذَّرَّةُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ أَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ مَعْدِنُ الْعَقْلِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي وَصَفْتُ وَ غَيْرِهِ مِمَّا سَمِعْتَ مِنَ الْحَيَوَانِ هُوَ الَّذِي يُهَيِّجُ الصَّبِيَّ إِلَى طَلَبِ الرَّضَاعِ وَ الطَّيْرَ اللَّاقِطَ عَلَى لَقْطِ الْحَبِّ وَ السِّبَاعَ عَلَى ابْتِلَاعِ اللَّحْمِ قَالَ لَسْتُ أَجِدُ الْقَلْبَ يَعْلَمُ شَيْئاً إِلَّا بِالْحَوَاسِّ قُلْتُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا النُّزُوعَ إِلَى الْحَوَاسِّ فَإِنَّا لَنَقْبَلُ نُزُوعَكَ إِلَيْهَا بَعْدَ رَفْضِكَ لَهَا وَ نُجِيبُكَ فِي الْحَوَاسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِنْدَكَ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الظَّاهِرَ مِمَّا هُوَ دُونَ الرَّبِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَأَمَّا مَا يَخْفَى وَ لَا يَظْهَرُ فَلَيْسَتْ تَعْرِفُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ خَالِقَ الْحَوَاسِّ جَعَلَ لَهَا قَلْباً احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ …

بحار الأنوار — كتاب التوحيد · الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.