الأقسامبحار الأنواركتاب التوحيد
بحار الأنوار

لِتَطْحَنَ الْمَأْكُولَ وَ مَجَارِي الْعُرُوقِ لِصَفْوَةِ الطَّعَامِ وَ هَيَّأَ لَهَا الْأَمْعَاءَ وَ لَوْ كَانَ خَالِقُ الْمَأْكُولِ غَيْرَهُ لَمَا خَلَقَ الْأَجْسَادَ مُشْتَهِيَةً لِلْمَأْكُولِ وَ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ وَصَفْتَ صِفَةً أَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ لَطِيفٍ قَدِيرٍ عَلِيمٍ قَدْ آمَنْتُ وَ صَدَّقْتُ أَنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ وَ بِحَمْدِهِ غَيْرَ أَنِّي أَشُكُّ فِي هَذِهِ السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا لِأَنَّهَا ضَارَّةٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ قُلْتُ أَ لَيْسَ قَدْ صَارَ عِنْدَكَ أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ لِأَنَّ الْخَلْقَ عَبِيدُهُ وَ لَمْ يَكُنْ لِيَخْلُقَ مَا يَضُرُّهُمْ قُلْتُ سَأُبَصِّرُكَ مِنْ هَذَا شَيْئاً تَعْرِفُهُ وَ لَا أُنَبِّئُكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ هَذِهِ وَ عِلْمِكَ بِالطِّبِّ قَالَ هَاتِ قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً مِنَ النَّبْتِ لَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ لِلْخَلْقِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ هَذِهِ الْأَطْعِمَةُ قُلْتُ أَ لَيْسَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي وَصَفْتَ يُغَيِّرُ أَلْوَانَهُمْ وَ يُهَيِّجُ أَوْجَاعَهُمْ حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا الْجُذَامُ وَ الْبَرَصُ وَ السِّلَالُ وَ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْجَاعِ قَالَ هُوَ كَذَلِكَ قُلْتُ أَمَّا هَذَا الْبَابُ فَقَدِ انْكَسَرَ عَلَيْكَ قَالَ أَجَلْ قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً مِنَ النَّبْتِ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ لَيْسَ يُدْخَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يُدْفَعُ بِهَا الْأَوْجَاعُ مِنَ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ السِّلَالِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ يَدْفَعُ الدَّاءَ وَ يُذْهِبُ السُّقْمَ مِمَّا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ لِطُولِ مُعَالَجَتِكَ قَالَ إِنَّهُ كَذَلِكَ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَدْوِيَةِ عِنْدَكُمْ أَعْظَمُ فِي السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ أَ لَيْسَ التِّرْيَاقُ قَالَ نَعَمْ هُوَ رَأْسُهَا وَ أَوَّلُ مَا يُفْرَغُ إِلَيْهِ عِنْدَ نَهْشِ الْحَيَّاتِ وَ لَسْعِ الْهَوَامِّ وَ شُرْبِ السَّمَائِمِ قُلْتُ أَ لَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْأَدْوِيَةِ الْمُرْتَفِعَةِ وَ الْأَدْوِيَةِ الْمُحْرِقَةِ فِي أَخْلَاطِ التِّرْيَاقِ إِلَّا أَنْ تُطْبَخَ بِالْأَفَاعِي الْقَاتِلَةِ قَالَ نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ وَ لَا يَكُونُ التِّرْيَاقُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ الدَّافِعَ لِلسَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ إِلَّا بِذَلِكَ وَ لَقَدِ انْكَسَرَ عَلَيَّ هَذَا الْبَابُ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّهُ خَالِقُ السَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ وَ الْهَوَامِّ الْعَادِيَةِ وَ جَمِيعِ النَّبْتِ وَ الْأَشْجَارِ وَ غَارِسُهَا وَ مُنْبِتُهَا وَ بَارِئُ الْأَجْسَادِ وَ سَائِقُ الرِّيَاحِ وَ مُسَخِّرُ السَّحَابِ وَ أَنَّهُ خَالِقُ الْأَدْوَاءِ الَّتِي تُهَيِّجُ بِالْإِنْسَانِ كَالسَّمَائِمِ الْقَاتِلَةِ الَّتِي تَجْرِي فِي أَعْضَائِهِ وَ عِظَامِهِ وَ مُسْتَقَرِّ الْأَدْوَاءِ وَ مَا يُصْلِحُهَا مِنَ الدَّوَاءِ الْعَارِفُ بِالرُّوحِ وَ مَجْرَى الدَّمِ وَ أَقْسَامِهِ فِي الْعُرُوقِ وَ اتِّصَالِهِ بِالْعَصَبِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ الْعَصَبِ وَ الْجَسَدِ وَ أَنَّهُ عَارِفٌ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ عَالِمٌ بِكُلِّ عُضْوٍ بِمَا فِيهِ وَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ هَذِهِ النُّجُومَ وَ حِسَابَهَا وَ الْعَالِمُ بِهَا وَ الدَّالُّ عَلَى نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا وَ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَوَالِيدِ وَ أَنَّ التَّدْبِيرَ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ مُتَّصِلٌ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهَا فَبَيِّنْ لِي كَيْفَ قُلْتَ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ أَشْبَاهَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ الْأَوَّلُ بِلَا كَيْفٍ وَ هُوَ الْآخِرُ بِلَا نِهَايَةٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ خَلَقَ الْخَلْقَ وَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ وَ لَا كَيْفٍ بِلَا عِلَاجٍ وَ لَا مُعَانَاةٍ وَ لَا فِكْرٍ وَ لَا كَيْفٍ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ وَ إِنَّمَا الْكَيْفُ بِكَيْفِيَّةِ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ الْأَوَّلُ لَا بَدْءَ لَهُ وَ لَا شِبْهَ وَ لَا مِثْلَ وَ لَا ضِدَّ وَ لَا نِدَّ لَا يُدْرَكُ بِبَصَرٍ وَ لَا يُحَسُّ بِلَمْسٍ وَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِخَلْقِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ فَصِفْ لِي قُوَّتَهُ قُلْتُ إِنَّمَا سُمِّيَ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ قَوِيّاً لِلْخَلْقِ الْعَظِيمِ الْقَوِيِّ الَّذِي خَلَقَ مِثْلَ الْأَرْضِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ جِبَالِهَا وَ بِحَارِهَا وَ رِمَالِهَا وَ أَشْجَارِهَا وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَلْقِ الْمُتَحَرِّكِ مِنَ الْإِنْسِ وَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ الْمُثَقَّلِ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ وَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ عِظَمِهِمَا وَ عِظَمِ نُورِهِمَا الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ بُلُوغاً وَ لَا مُنْتَهًى وَ النُّجُومِ الْجَارِيَةِ وَ دَوَرَانِ الْفَلَكِ وَ غِلَظِ السَّمَاءِ وَ عِظَمِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ وَ السَّمَاءِ الْمُسَقَّفَةِ فَوْقَنَا رَاكِدَةً فِي الْهَوَاءِ وَ مَا دُونَهَا مِنَ الْأَرْضِ الْمَبْسُوطَةِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْخَلْقِ الثَّقِيلِ وَ هِيَ رَاكِدَةٌ لَا تَتَحَرَّكُ غَيْرَ أَنَّهُ رُبَّمَا حُرِّكَ فِيهَا نَاحِيَةٌ وَ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى ثَابِتَةٌ وَ رُبَّمَا خَسَفَ مِنْهَا نَاحِيَةٌ وَ النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى قَائِمَةٌ يُرِينَا قُدْرَتَهُ وَ يَدُلُّنَا بِفِعْلِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَلِهَذَا سُمِّيَ قَوِيّاً لَا لِقُوَّةِ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْخَلْقِ وَ لَوْ كَانَتْ قُوَّتُهُ تُشْبِهُ قُوَّةَ الْخَلْقِ لَوَقَعَ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ وَ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلزِّيَادَةِ وَ مَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ كَانَ نَاقِصاً وَ مَا كَانَ نَاقِصاً لَمْ يَكُنْ تَامّاً وَ مَا لَمْ يَكُنْ تَامّاً كَانَ عَاجِزاً ضَعِيفاً وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ وَ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ قَوِيٌّ لِلْخَلْقِ الْقَوِيِّ وَ كَذَلِكَ قَوْلُنَا الْعَظِيمُ وَ الْكَبِيرُ وَ لَا يُشَبَّهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ أَ فَرَأَيْتَ قَوْلَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ قُلْتُ إِنَّمَا يُسَمَّى تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ مِنْ شَخْصٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ جَلِيلٍ وَ لَا نَصِفُهُ بَصِيراً بِلَحْظِ عَيْنٍ كَالْمَخْلُوقِ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ سَمِيعاً لِأَنَّهُ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا يَسْمَعُ النَّجْوَى وَ دَبِيبَ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَ خَفَقَانَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَ لَا شَيْءٌ مِمَّا أَدْرَكَتْهُ الْأَسْمَاعُ وَ الْأَبْصَارُ وَ مَا لَا تُدْرِكُهُ الْأَسْمَاعُ وَ الْأَبْصَارُ مَا جَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَ مَا دَقَّ وَ مَا صَغُرَ وَ مَا كَبُرَ وَ لَمْ نَقُلْ سَمِيعاً بَصِيراً كَالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ مِنَ الْخَلْقِ وَ كَذَلِكَ إِنَّمَا سُمِّيَ عَلِيماً لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ لَا فِي السَّمَاءِ عَلِمَ مَا يَكُونُ وَ مَا لَا يَكُونُ وَ مَا لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَ لَمْ نَصِفْ عَلِيماً بِمَعْنَى غَرِيزَةٍ يَعْلَمُ بِهَا كَمَا أَنَّ لِلْخَلْقِ غَرِيزَةً يَعْلَمُونَ بِهَا فَهَذَا مَا أَرَادَ مِنْ قَوْلِهِ عَلِيمٌ فَعَزَّ مَنْ جَلَّ عَنِ الصِّفَاتِ وَ مَنْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَفْعَالِ خَلْقِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا فَصَّلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ فَسُبْحَانَهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ قَالَ إِنَّ هَذَا لَكَمَا تَقُولُ وَ لَقَدْ عَلِمْتُ إِنَّمَا غَرَضِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ فِيهِ عِنْدَ مُصَرِّفٍ يَسْنَحُ عَنِّي فَأَخْبِرْنِي لَعَلِّي أُحْكِمُهُ فَيَكُونَ الْحُجَّةُ قَدِ انْشَرَحَتْ لِلْمُتَعَنِّتِ الْمُخَالِفِ أَوِ السَّائِلِ الْمُرْتَابِ أَوِ الطَّالِبِ الْمُرْتَادِ مَعَ مَا فِيهِ لِأَهْلِ الْمُوَافَقَةِ مِنَ الِازْدِيَادِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ لَطِيفٌ وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لِلْفِعْلِ وَ لَكِنْ قَدْ رَجَوْتُ أَنْ تَشْرَحَ لِي ذَلِكَ بِوَصْفِكَ قُلْتُ إِنَّمَا سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً لِلْخَلْقِ اللَّطِيفِ وَ لِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اللَّطِيفِ مِمَّا خَلَقَ مِنَ الْبَعُوضِ وَ الذَّرَّةِ وَ مِمَّا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمَا لَا يَكَادُ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَ الْعُقُولُ لِصِغَرِ خَلْقِهِ مِنْ عَيْنِهِ وَ سَمْعِهِ وَ صُورَتِهِ لَا يُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى وَ لَا الْحَدِيثُ الْمَوْلُودُ مِنَ الْقَدِيمِ الْوَالِدِ فَلَمَّا رَأَيْنَا لُطْفَ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِ وَ مَوْضِعَ الْعَقْلِ فِيهِ وَ الشَّهْوَةَ لِلسِّفَادِ وَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْحَدَبَ عَلَى نَسْلِهِ مِنْ وُلْدِهِ وَ مَعْرِفَةَ بَعْضِهَا بَعْضاً وَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَعْنَانِ السَّمَاءِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ وَ مَا هُوَ مَعَنَا فِي مَنْزِلِنَا وَ يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنْ مَنْطِقِهِمْ وَ مَا يَفْهَمُ مِنْ أَوْلَادِهَا وَ نَقْلَهَا الطَّعَامَ إِلَيْهَا وَ الْمَاءَ عَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَهَا لَطِيفٌ وَ أَنَّهُ لَطِيفٌ بِخَلْقِ اللَّطِيفِ كَمَا سَمَّيْنَاهُ قَوِيّاً بِخَلْقِ الْقَوِيِّ قَالَ إِنَّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ لَوَاضِحٌ فَكَيْفَ جَازَ لِلْخَلْقِ أَنْ يَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْتُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَبَاحَ لِلنَّاسِ الْأَسْمَاءَ وَ وَهَبَهَا لَهُمْ وَ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ مِنَ النَّاسِ لِلْوَاحِدِ وَاحِدٌ وَ يَقُولُ لِلَّهِ وَاحِدٌ وَ يَقُولُ قَوِيٌّ وَ اللَّهُ تَعَالَى قَوِيٌّ وَ يَقُولُ صَانِعٌ وَ اللَّهُ صَانِعٌ وَ يَقُولُ رَازِقٌ وَ اللَّهُ رَازِقٌ وَ يَقُولُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ وَاحِدٌ فَهَذَا لَهُ اسْمٌ وَ لَهُ شَبِيهٌ وَ اللَّهُ وَاحِدٌ وَ هُوَ لَهُ اسْمٌ وَ لَا شَيْءَ لَهُ شَبِيهٌ وَ لَيْسَ الْمَعْنَى وَاحِداً وَ أَمَّا الْأَسْمَاءُ فَهِيَ دَلَالَتُنَا عَلَى الْمُسَمَّى لِأَنَّا قَدْ نَرَى الْإِنْسَانَ وَاحِداً وَ إِنَّمَا نُخْبِرُ وَاحِداً إِذَا كَانَ مُفْرَداً فَعُلِمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِوَاحِدٍ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَ أَجْزَاءَهُ لَيْسَتْ سَوَاءً وَ لَحْمَهُ غَيْرُ دَمِهِ وَ عَظْمَهُ غَيْرُ عَصَبِهِ وَ شَعْرَهُ غَيْرُ ظُفُرِهِ وَ سَوَادَهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْخَلْقِ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ وَ لَيْسَ بِوَاحِدٍ فِي الِاسْمِ وَ الْمَعْنَى وَ الْخَلْقِ فَإِذَا قِيلَ لِلَّهِ فَهُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى سَمِيعٌ وَ بَصِيرٌ وَ قَوِيٌّ وَ عَزِيزٌ وَ حَكِيمٌ وَ عَلِيمٌ فَتَعَالَى اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَ عَنْ رِضَاهُ وَ مَحَبَّتِهِ وَ غَضَبِهِ وَ سَخَطِهِ قُلْتُ إِنَّ الرَّحْمَةَ وَ مَا يَحْدُثُ لَنَا مِنْهَا شَفَقَةٌ وَ مِنْهَا جُودٌ وَ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ثَوَابُهُ لِخَلْقِهِ وَ الرَّحْمَةَ مِنَ الْعِبَادِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا يَحْدُثُ فِي الْقَلْبِ الرَّأْفَةُ وَ الرِّقَّةُ لِمَا يُرَى بِالْمَرْحُومِ مِنَ الضُّرِّ وَ الْحَاجَةِ وَ ضُرُوبِ الْبَلَاءِ وَ الْآخَرُ مَا يَحْدُثُ مِنَّا مِنْ بَعْدِ الرَّأْفَةِ وَ اللُّطْفِ عَلَى الْمَرْحُومِ وَ الرَّحْمَةُ مِنَّا مَا نَزَلَ بِهِ وَ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ انْظُرْ إِلَى رَحْمَةِ فُلَانٍ وَ إِنَّمَا يُرِيدُ الْفِعْلَ الَّذِي حَدَثَ عَنِ الرِّقَّةِ الَّتِي فِي قَلْبِ فُلَانٍ وَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَعْلِ مَا حَدَثَ عَنَّا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَ أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ كَمَا وَصَفَ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ رَحِيمٌ لَا رَحْمَةَ رِقَّةٍ وَ أَمَّا الْغَضَبُ فَهُوَ مِنَّا إِذَا غَضِبْنَا تَغَيَّرَتْ طَبَائِعُنَا وَ تَرْتَعِدُ أَحْيَاناً مَفَاصِلُنَا وَ حَالَتْ أَلْوَانُنَا ثُمَّ نَجِيءُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِالْعُقُوبَاتِ فَسُمِّيَ غَضَباً فَهَذَا كَلَامُ النَّاسِ الْمَعْرُوفُ وَ الْغَضَبُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْقَلْبِ وَ أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ كَذَلِكَ رِضَاهُ وَ سَخَطُهُ وَ رَحْمَتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَلَّ وَ عَزَّ لَا شَبِيهَ لَهُ وَ لَا مِثْلَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ إِرَادَتِهِ قُلْتُ إِنَّ الْإِرَادَةَ مِنَ الْعِبَادِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَالْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ إِحْدَاثُهُ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا تَعَبٍ وَ لَا كَيْفٍ قَالَ قَدْ بَلَّغْتَ حَسْبُكَ فَهَذِهِ كَافِيَةٌ لِمَنْ عَقَلَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلَالِ وَ عَصَمَنَا مِنْ أَنْ نُشَبِّهَهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ أَنْ نَشُكَّ فِي عَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ وَ لَطِيفِ صُنْعِهِ وَ جَبَرُوتِهِ جَلَّ عَنِ الْأَشْبَاهِ وَ الْأَضْدَادِ وَ تَكَبَّرَ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَ الْأَنْدَادِ.

بحار الأنوار — كتاب التوحيد · الخبر المروي عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر بالإهليلجة

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.