الأقسامبحار الأنواركتاب التوحيد
بحار الأنوار

في الأمالي للصدوق، وفي التوحيد: ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَقُولُ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ أَسْأَلَكَ رُؤْيَةً وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّكَ لَا تُرَى قَالَ الصَّدُوقُ (رحمه الله) إِنَّ مُوسَى(عليه السلام)عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ وَ إِنَّمَا سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُرِيَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ عَنْ قَوْمِهِ حِينَ أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فَقَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فِي حَالِ تَدَكْدُكِهِ ﴿‏فَسَوْفَ تَرانِي‏﴾ وَ مَعْنَاهُ أَنَّكَ لَا تَرَانِي أَبَداً لِأَنَّ الْجَبَلَ لَا يَكُونُ سَاكِناً مُتَحَرِّكاً فِي حَالٍ أَبَداً وَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَداً كَمَا لَا يَلِجُ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ أَبَداً فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أَيْ ظَهَرَ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ وَ تِلْكَ الْآيَةُ نُورٌ مِنَ الْأَنْوَارِ الَّتِي خَلَقَهَا أَلْقَى مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ فَ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً مِنْ هَوْلِ تَدَكْدُكِ ذَلِكَ الْجَبَلِ عَلَى عِظَمِهِ وَ كِبَرِهِ فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ أَيْ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَادِلًا عَمَّا حَمَلَنِي عَلَيْهِ قَوْمِي مِنْ سُؤَالِكَ الرُّؤْيَةَ وَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبِهِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُذْنِبُونَ ذَنْباً صَغِيراً وَ لَا كَبِيراً وَ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِئْذَانُ قَبْلَ السُّؤَالِ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ كَانَ أَدَباً أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ وَ يَأْخُذَ بِهِ نَفْسَهُ مَتَى أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى قَوْمٌ أَنَّهُ قَدِ اسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَوْلِهِ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَنَّكَ لَا تُرَى. وَ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَ أَخْرَجَهَا مَشَايِخُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ عِنْدِي صَحِيحَةٌ وَ إِنَّمَا تَرَكْتُ إِيرَادَهَا فِي هَذَا الْبَابِ خَشْيَةَ أَنْ يَقْرَأَهَا جَاهِلٌ بِمَعَانِيهَا فَيُكَذِّبَ بِهَا فَيَكْفُرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ. وَ الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى فِي نَوَادِرِهِ وَ الَّتِي أَوْرَدَهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى فِي جَامِعِهِ فِي مَعْنَى الرُّؤْيَةِ صَحِيحَةٌ لَا يَرُدُّهَا إِلَّا مُكَذِّبٌ بِالْحَقِّ أَوْ جَاهِلٌ بِهِ وَ أَلْفَاظُهَا أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ وَ لِكُلِّ خَبَرٍ مَعْنًى يَنْفِي التَّشْبِيهَ وَ التَّعْطِيلَ وَ يُثْبِتُ التَّوْحِيدَ وَ قَدْ أَمَرَنَا الْأَئِمَّةُ (صلوات الله عليهم) أَنْ لَا نُكَلِّمَ النَّاسَ إِلَّا عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ وَ مَعْنَى الرُّؤْيَةِ هُنَا الْوَارِدَةِ فِي الْأَخْبَارِ الْعِلْمُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ شُكُوكٍ وَ ارْتِيَابٍ وَ خَطَرَاتٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُشِفَ لِلْعِبَادِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَ أُمُورِهِ فِي ثَوَابِهِ وَ عِقَابِهِ مَا تَزُولُ بِهِ الشُّكُوكُ وَ يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ فَمَعْنَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يُرَى أَيْ يُعْلَمُ عِلْماً يَقِينِيّاً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ وَ قَوْلِهِ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وَ قَوْلِهِ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ قَوْلِهِ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ وَ لَيْسَتْ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فَمَعْنَاهُ لَمَّا ظَهَرَ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْجَبَلِ بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِ الْآخِرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْجِبَالُ سَرَاباً وَ الَّذِي يَنْسِفُ بِهَا الْجِبَالُ نَسْفاً تَدَكْدَكَ الْجَبَلُ فَصَارَ تُرَاباً لِأَنَّهُ لَمْ يُطِقْ حَمْلَ تِلْكَ الْآيَةِ وَ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ بَدَا لَهُ نُورُ الْعَرْشِ. وَ تَصْدِيقُ مَا ذَكَرْتُهُ. مَا حَدَّثَنَا بِهِ تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَ عِنْدَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(عليه السلام)فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ قَالَ بَلَى فَسَأَلَهُ عَنْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَ أَنْ قَالَ لَهُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي الْآيَةَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ(عليه السلام)لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ فَقَالَ الرِّضَا(عليه السلام)إِنَّ كَلِيمَ اللَّهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ(عليه السلام)عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَرَّبَهُ نَجِيّاً رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ وَ نَاجَاهُ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ وَ كَانَ الْقَوْمُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفاً ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبِّهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ وَ صَعِدَ مُوسَى(عليه السلام)إِلَى الطُّورِ وَ سَأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقُ وَ أَسْفَلُ وَ يَمِينُ وَ شِمَالُ وَ وَرَاءُ وَ أَمَامُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ ثُمَّ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ اللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَلَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ الْعَظِيمَ وَ اسْتَكْبَرُوا وَ عَتَوْا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً فَأَخَذَتْهُمْ بِظُلْمِهِمْ فَمَاتُوا فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ مَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ قَالُوا إِنَّكَ ذَهَبْتَ بِهِمْ فَقَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ إِيَّاكَ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَ بَعَثَهُمْ مَعَهُ فَقَالُوا إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ وَ كُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ فَنَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ مُوسَى(عليه السلام)يَا قَوْمِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ وَ يُعْلَمُ بِأَعْلَامِهِ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسْأَلَهُ فَقَالَ مُوسَى(عليه السلام)يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلَاحِهِمْ فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى اسْأَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ أُؤَاخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ وَ هُوَ يَهْوِي فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ بِآيَاتِهِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يَقُولُ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمِي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ الْخَبَرَ. ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) تميم القرشي مثله. بيان اعلم أن المنكرين للرؤية و المثبتين لها كليهما استدلّوا بما ورد في تلك القصّة على مطلوبهم فأما المثبتون فاحتجوا بها بوجهين الأول أن موسى(عليه السلام)سأل الرؤية و لو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعه أو يجهله فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال لأنه عبث و إن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله تعالى و يمتنع لا يكون نبيا كليما. و أجيب عنه بوجوه الأول ما ورد في هذا الخبر من أن السؤال إنما كان بسبب قومه لا لنفسه لأنه كان عالما بامتناعها و هذا أظهر الوجوه و اختاره السيد الأجل المرتضى في كتابي تنزيه الأنبياء و غرر الفوائد و أيده بوجوه منها حكاية طلب الرؤية من بني إسرائيل في مواضع كقوله تعالى ﴿‏فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏﴾ و قوله تعالى ﴿‏وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏﴾ و منها أن موسى(عليه السلام)أضاف ذلك إلى السفهاء قال الله تعالى ﴿‏فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا‏﴾ و إضافة ذلك إلى السفهاء تدل على أنه كان بسببهم و من أجلهم حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى فإن قيل فلم أضاف السؤال إلى نفسه و وقع الجواب مختصّا به قلنا لا يمتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه مع أن السؤال كان لأجل الغير إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس فلهذا يقول أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع إليه أسألك أن تفعل بي كذا و تجيبني إلى ذلك و يحسن أن يقول المشفوع إليه قد أجبتك و شفعتك و ما جرى مجرى ذلك على أنه قد ذكر في الخبر ما يغني عن هذا الجواب. و أما ما يورد في هذا المقام من أن السؤال إذا كان للغير فأي جرم كان لموسى حتى تاب منه فأجاب(عليه السلام)بحمل التوبة على معناه اللغوي أي الرجوع أي كنت قطعت النظر عما كنت أعرفه من عدم جواز رؤيتك و سألت ذلك للقوم فلما انقضت المصلحة في ذلك تركت هذا السؤال و رجعت إلى معرفتي بعدم جواز رؤيتك و ما تقتضيه من عدم السؤال. و أجاب السيّد (قدس الله روحه) عنه بأنه يجوز أن يكون التوبة لأمر آخر غير هذا الطلب أو يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى و إظهار الانقطاع إليه و التقرب منه و إن لم يكن هناك ذنب و الحاصل أن الغرض من ذلك إنشاء التذلّل و الخضوع و يجوز أن يضاف إلى ذلك تنبيه القوم المخطئين على التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه بل أقول يحتمل أن تكون التوبة من قبلهم كما كان السؤال كذلك. الثاني أنه(عليه السلام)لم يسأل الرؤية بل تجوز بها عن العلم الضروريّ لأنه لازمها و إطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع سيما استعمال رأى بمعنى علم و أرى بمعنى أعلم و الحاصل أنه سأله أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التي تضطرّه إلى المعرفة فتزول عنه الدواعي و الشكوك و يستغني عن الاستدلال كما سأل إبراهيم عليه السلام ﴿‏رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏﴾ الثالث أن في الكلام مضافا محذوفا أي أرني آية من آياتك أنظر إلى آيتك و حاصله يرجع إلى الثاني. الرابع أنه(عليه السلام)سأل الرؤية مع علمه بامتناعها لزيادة الطمأنينة بتعاضد دليل العقل و السمع كما في طلب إبراهيم(عليه السلام)و حاصله يرجع إلى منع أن العاقل لا يطلب المحال الذي علم استحالته إذ يمكن أن يكون الطلب لغرض آخر غير حصول المطلوب فلا يلزم العبث لجواز ترتب غرض آخر عليه و العبث ما لا فائدة فيه أصلا و لعل في هذا السؤال فوائد عظيمة سوى ما ذكر أيضا و لا يلزمنا تعيين الفائدة بل على المستدل أن يدل على انتفائها مطلقا و نحن من وراء المنع و مما يستغرب من الأشاعرة أنهم أجمعوا على أن الطلب غير الإرادة و احتجوا عليه بأن الآمر ربما أمر عبده بأمر و هو لا يريده بل يريد نقيضه ثم يقولون هاهنا بأن طلب ما علم استحالته لا يتأتى من العاقل. الثاني من وجهي احتجاجهم هو أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل و هو أمر ممكن في نفسه و المعلق على الممكن ممكن لأن معنى التعليق أن المعلق يقع على تقدير وقوع المعلق عليه و المحال لا يقع على شيء من التقادير و يمكن الجواب عنه بوجوه أوجهها أن يقال التعليق إما أن يكون الغرض منه بيان وقت المعلق و تحديد وقوعه بزمان و شرط و من البين أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل و إما أن يكون المطلوب فيه مجرد بيان تحقق الملازمة و علاقة الاستلزام بأن يكون لإفادة النسبة التي بين الشرط و الجزاء مع قطع النظر عن وقوع شيء من الطرفين و عدم وقوعه و لا يخفى على ذي لب أن لا علاقة بين استقرار الجبل و رؤيته تعالى في نفس الأمر و لا ملازمة على أن إفادة مثل هذا الحكم و هو تحقق علاقة اللزوم بين هاتين القضيتين لا يليق بسياق مقاصد القرآن الحكيم مع ما فيه من بعده عن مقام سؤال الكليم فإن المناسب لما طلب من الرؤية بيان وقوعه و لا وقوعه لا مجرد إفادة العلاقة بين الأمرين فالصواب حينئذ أن يقال المقصود من هذا التعليق بيان أن الجزاء لا يقع أصلا بتعليقه على ما لا يقع ثم هذا التعليق إن كان مستلزما للعلاقة بين الشرط و الجزاء فواجب أن يكون إمكان الجزاء مستتبعا لإمكان الشرط لأن ما له هذه العلاقة مع المحال لا يكون ممكنا على ما هو المشهور من أن مستلزم المحال محال و إلا فلا وجه لوجوب إمكان الجزاء و الأول و إن كان شائع الإرادة من اللفظ إلا أن الثاني أيضا مذهب معروف للعرب كثير الدوران بينهم و هو عمدة البلاغة و دعامتها و من ذلك قول الشاعر إذا شاب الغراب أتيت أهلي و صار القار كاللبن الحليب. و معلوم أن مشيب الغراب و صيرورة القار كالحليب لا ملازمة بينهما و بين إتيان الشاعر أهله. و نظيره في الكتاب الكريم كثير كتعليق خروج أهل النار منها على ولوج الجمل في سم الخياط و بعيد من العاقل أن يدعي علاقة بينهما و إذا كان ذلك التعليق أمرا شائعا كثير الوقوع في كلامهم فلا ترجيح للاحتمال الأول بل الترجيح معنا فإن البلاغة في ذلك و أما إذا تحقق العلاقة في الواقع بينهما و علق عليه لمكان تلك العلاقة فليس له ذلك الموقع من حسن القبول أ لا ترى أن المتمني لوصال حبيبه الميت لو قال إذا رجع الموتى إلى الدنيا أمكن لي زيارة الحبيب لم يكن كقول الصب المتحسر على مفارقة الأحباء متى أقبل الأمس الدابر و حيي الميت الغابر طمعت في اللقاء و أيضا لا يخفى على ذي فطرة أن التزام تحقق علاقة لزوم بين استقرار الجبل في تلك الحال و بين رؤيته تعالى بحيث لو فرض وقوع ذلك الاستقرار امتنع أن لا يقع رؤيته تعالى مستبعد جدا يكاد يجزم العقل ببطلانه فإذن المقصود من ذلك الكلام مجرد بيان انتفائه بتعليقه على أمر غير واقع و يكفي في ذلك عدم وقوع المعلق عليه و لا يستدعي امتناع المعلق امتناعه و لو سلم فنقول إن المعلق عليه هو الاستقرار لا مطلقا بل في المستقبل و عقيب النظر بدلالة الفاء و إن و ذلك لأنه إذا دخل الفاء على أن يفيد اشتراط التعقيب لا تعقيب الاشتراط فالشرط هاهنا وقوع الاستقرار عقيب النظر و النظر ملزوم لوقوع حركة الجبل عقيبه فوقوع السكون عقيبه محال لاستحالة وقوع الشيء عقيب ما يستعقب منافي ذلك الشيء و يستلزم وقوعه عقيبه و أما أن النظر لا يستلزم اندكاك الجبل و تزلزله و لا علاقة بينه و بينه و إنما هو مصاحبة اتفاقية فممنوع و لعل النظر ملزوم للحركة كما أن استقرار الجبل ملزوم لرؤيته تعالى و تحقق العلاقة بين النظر و الحركة ليس بأبعد من تحقق العلاقة بين الاستقرار و الرؤية و لنقتصر على ذلك فإن إطناب الكلام في كل من الدلائل و الأجوبة يوجب الخروج عما هو المقصود من الكتاب. و أما المنكرون فاحتجوا بقوله تعالى ﴿‏لَنْ تَرانِي‏﴾ فإن كلمة لن تفيد إما تأبيد النفي في المستقبل كما صرح به الزمخشري في أنموذجه فيكون نصا في أن موسى(عليه السلام)لا يراه أبدا أو تأكيده على ما صرح به في الكشاف فيكون ظاهرا في ذلك لأن المتبادر في مثله عموم الأوقات و إذا لم يره موسى لم يره غيره إجماعا و إن نوقش في كونها للتأكيد أو للتأبيد فكفاك شاهدا استدلال أئمتنا(عليه السلام)بها على نفي الرؤية مطلقا لأنهم أفصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين مع أنا لكثرة براهيننا لا نحتاج إلى الإكثار في دلالة هذه الآية على المطلوب.

بحار الأنوار — كتاب التوحيد · نفي الرؤية و تأويل الآيات فيها

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.