في التوحيد: الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بُرْدَةَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ فَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ: لَقِيتُهُ(عليه السلام) عَلَى الطَّرِيقِ عِنْدَ مُنْصَرَفِي عَنْ مَكَّةَ إِلَى خُرَاسَانَ وَ هُوَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ يُتَّقَى وَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ يُطَاعُ فَتَلَطَّفْتُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ فَوَصَلْتُ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ يَا فَتْحُ مَنْ أَرْضَى الْخَالِقَ لَمْ يُبَالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ وَ مَنْ أَسْخَطَ الْخَالِقَ فَقَمَنٌ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ سَخَطَ الْمَخْلُوقِ وَ إِنَّ الْخَالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ أَنَّى يُوصَفُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ وَ الْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ وَ الْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ وَ الْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ جَلَّ عَمَّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ وَ تَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتُونَ نَأَى فِي قُرْبِهِ وَ قَرُبَ فِي نَأْيِهِ فَهُوَ فِي نَأْيِهِ قَرِيبٌ وَ فِي قُرْبِهِ بَعِيدٌ كَيَّفَ الْكَيْفَ فَلَا يُقَالُ لَهُ كَيْفَ وَ أَيَّنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقَالُ لَهُ أَيْنَ إِذْ هُوَ مُبْدِعُ الْكَيْفُوفِيَّةِ وَ الْأَيْنُونِيَّةِ يَا فَتْحُ كُلُّ جِسْمٍ مُغَذًّى بِغِذَاءٍ إِلَّا الْخَالِقَ الرَّازِقَ فَإِنَّهُ جَسَّمَ الْأَجْسَامَ وَ هُوَ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَ لَا صُورَةٍ لَمْ يَتَجَزَّأْ وَ لَمْ يَتَنَاهَ وَ لَمْ يَتَزَايَدْ وَ لَمْ يَتَنَاقَصْ مُبَرَّأٌ مِنْ ذَاتِ مَا رَكَّبَ فِي ذَاتِ مَنْ جَسَّمَهُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ مُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ وَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ وَ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ لَمْ يُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَا الرَّازِقُ مِنَ الْمَرْزُوقِ وَ لَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَإِ لَكِنَّهُ الْمُنْشِئُ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَ صَوَّرَهُ وَ شَيَّأَهُ وَ بَيْنَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ قُلْتُ فَاللَّهُ وَاحِدٌ وَ الْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فَلَيْسَ قَدْ تَشَابَهَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ قَالَ أَحَلْتَ ثَبَّتَكَ اللَّهُ إِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي وَ أَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَ هِيَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ قِيلَ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يُخْبَرُ أَنَّهُ جُثَّةٌ وَاحِدَةٌ وَ لَيْسَ بِاثْنَيْنِ وَ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَ أَلْوَانَهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ وَ هُوَ أَجْزَاءٌ مُجَزًّى لَيْسَ سَوَاءً دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ وَ لَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ وَ عَصَبُهُ غَيْرُ عُرُوقِهِ وَ شَعْرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ وَ سَوَادُهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ لَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَاحِدٌ لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ وَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَ لَا تَفَاوُتَ وَ لَا زِيَادَةَ وَ لَا نُقْصَانَ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُؤَلَّفُ فَمِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ جَوَاهِرَ شَتَّى غَيْرَ أَنَّهُ بِالاجْتِمَاعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ قُلْتُ فَقَوْلُكَ اللَّطِيفُ فَسِّرْهُ لِي فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لُطْفَهُ خِلَافُ لُطْفِ غَيْرِهِ لِلْفَصْلِ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَشْرَحَ لِي فَقَالَ يَا فَتْحُ إِنَّمَا قُلْتُ اللَّطِيفُ لِلْخَلْقِ اللَّطِيفِ وَ لِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اللَّطِيفِ أَ لَا تَرَى إِلَى أَثَرِ صُنْعِهِ فِي النَّبَاتِ اللَّطِيفِ وَ غَيْرِ اللَّطِيفِ وَ فِي الْخَلْقِ اللَّطِيفِ مِنْ أَجْسَامِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْجِرْجِسِ وَ الْبَعُوضِ وَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمَا مِمَّا لَا يَكَادُ تَسْتَبِينُهُ الْعُيُونُ بَلْ لَا يَكَادُ يُسْتَبَانُ لِصِغَرِهِ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى وَ الْمَوْلُودُ مِنَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا رَأَيْنَا صِغَرَ ذَلِكَ فِي لُطْفِهِ وَ اهْتِدَاءَهُ لِلسِّفَادِ وَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ وَ الْجَمْعَ لِمَا يُصْلِحُهُ مِمَّا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ مَا فِي لِحَاءِ الْأَشْجَارِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ وَ إِفْهَامَ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ مَنْطِقَهَا وَ مَا تَفْهَمُ بِهِ أَوْلَادُهَا عَنْهَا وَ نَقْلَهَا الْغِذَاءَ إِلَيْهَا ثُمَّ تَأْلِيفَ أَلْوَانِهَا حُمْرَةً مَعَ صُفْرَةٍ وَ بَيَاضاً مَعَ حُمْرَةٍ عَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَ هَذَا الْخَلْقِ لَطِيفٌ وَ أَنَّ كُلَّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ وَ اللَّهُ الْخَالِقُ اللَّطِيفُ الْجَلِيلُ خَلَقَ وَ صَنَعَ لَا مِنْ شَيْءٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ غَيْرُ الْخَالِقِ الْجَلِيلِ خَالِقٌ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِي عِبَادِهِ خَالِقِينَ وَ غَيْرَ خَالِقِينَ مِنْهُمْ عِيسَى خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَنَفَخَ فِيهِ فَصَارَ طَائِراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ السَّامِرِيُّ خَلَقَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ قُلْتُ إِنَّ عِيسَى خَلَقَ مِنَ الطِّينِ طَيْراً دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ وَ السَّامِرِيَّ خَلَقَ عِجْلًا جَسَداً لِنَقْضِ نُبُوَّةِ مُوسَى وَ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا فَتْحُ إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيَّتَيْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ يَنْهَى وَ هُوَ يَشَاءُ وَ يَأْمُرُ وَ هُوَ لَا يَشَاءُ أَ وَ مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهَى آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ عَنْ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ هُوَ شَاءَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلَا وَ لَوْ أَكَلَا لَغَلَبَتْ مَشِيَّتُهُمَا مَشِيَّةَ اللَّهِ وَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَ شَاءَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ لَغَلَبَتْ مَشِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ مَشِيَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْتُ فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ غَيْرَ أَنَّكَ قُلْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ سَمِيعٌ بِأُذُنٍ وَ بَصِيرٌ بِالْعَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُ يَسْمَعُ بِمَا يُبْصِرُ وَ يَرَى بِمَا يَسْمَعُ بَصِيرٌ لَا بِعَيْنٍ مِثْلِ عَيْنِ الْمَخْلُوقِينَ وَ سَمِيعٌ لَا بِمِثْلِ سَمْعِ السَّامِعِينَ لَكِنْ لَمَّا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَثَرِ الذَّرَّةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ تَحْتَ الثَّرَى وَ الْبِحَارِ قُلْنَا بَصِيرٌ لَا بِمِثْلِ عَيْنِ الْمَخْلُوقِينَ وَ سَمِيعٌ بِمَا لَمْ تَشْتَبِهْ عَلَيْهِ ضُرُوبُ اللُّغَاتِ وَ لَمْ يَشْغَلْهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ قُلْنَا سَمِيعٌ لَا بِمِثْلِ السَّامِعِينَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ بَقِيَتْ مَسْأَلَةٌ قَالَ هَاتِ لِلَّهِ أَبُوكَ قُلْتُ يَعْلَمُ الْقَدِيمُ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّ مَسَائِلَكَ لَصَعْبَةٌ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وَ قَوْلَهُ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ قَالَ يَحْكِي قَوْلَ أَهْلِ النَّارِ أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وَ قَالَ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فَقَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فَقُمْتُ لِأُقَبِّلَ يَدَهُ وَ رِجْلَهُ فَأَدْنَى رَأْسَهُ فَقَبَّلْتُ وَجْهَهُ وَ رَأْسَهُ فَخَرَجْتُ وَ بِي مِنَ السُّرُورِ وَ الْفَرَحِ مَا أَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ لِمَا تَبَيَّنْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ الْحَظِّ.
بحار الأنوار — كتاب التوحيد · جوامع التوحيد