في التوحيد: بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ السَّعْدَانِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فِي حَدِيثِ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْآيَاتِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا مُتَنَاقِضَةٌ قَالَ(عليه السلام)وَ أَمَّا قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فَهُوَ مِيزَانُ الْعَدْلِ يُؤْخَذُ بِهِ الْخَلَائِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدِينُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْمَوَازِينِ وَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوَازِينُ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ(عليه السلام)وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصَّةٌ وَ أَمَّا قَوْلُهُ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَقَدْ حَقَّتْ كَرَامَتِي أَوْ قَالَ مَوَدَّتِي لِمَنْ يُرَاقِبُنِي وَ يَتَحَابُّ بِحَلَالِي إِنَّ وُجُوهَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نُورٍ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خُضْرٌ قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَوْمٌ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَ لَا شُهَدَاءَ وَ لَكِنَّهُمْ تَحَابُّوا بِحَلَالِ اللَّهِ وَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا بِرَحْمَتِهِ وَ أَمَّا قَوْلُهُ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ وَ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَإِنَّمَا يَعْنِي الْحِسَابَ تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَ السَّيِّئَاتُ فَالْحَسَنَاتُ ثِقْلُ الْمِيزَانِ وَ السَّيِّئَاتُ خِفَّةُ الْمِيزَانِ. 10 عد، العقائد اعتقادنا في الحساب و الميزان أنهما حق منه ما يتولاه الله عز و جل و منه ما يتولاه حججه فحساب الأنبياء و الأئمة (صلوات الله عليهم) يتولاه الله عز و جل و يتولى كل نبي حساب أوصيائه و يتولى الأوصياء حساب الأمم و الله تبارك و تعالى هو الشهيد على الأنبياء و الرسل و هم الشهداء على الأوصياء و الأئمة شهداء على الناس و ذلك قول الله عز و جل ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ و قوله عز و جل ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ و قال عز و جل ﴿أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ و الشاهد أمير المؤمنين(عليه السلام)و قوله تعالى ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ وَ سُئِلَ الصَّادِقُ(عليه السلام)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً قَالَ الْمَوَازِينُ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ-. و من الخلق من يدخل الجنة بغير حساب فأما السؤال فهو واقع على جميع الخلق لقول الله تعالى ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني عن الدين و أما غير الدين فلا يسأل إلا من يحاسب قال الله عز و جل ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ﴾ يعني من شيعة النبي و الأئمة(عليهم السلام)دون غيرهم كما ورد في التفسير و كل محاسب معذب و لو بطول الوقوف و لا ينجو من النار و لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله تعالى و الله يخاطب عباده من الأولين و الآخرين بحساب عملهم مخاطبة واحدة يسمع منها كل واحد قضيته دون غيرها و يظن أنه مخاطب دون غيره لا يشغله عز و جل مخاطبة عن مخاطبة و يفرغ من حساب الأولين و الآخرين في مقدار ساعة من ساعات الدنيا و يخرج الله عز و جل لكل إنسان ﴿كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ ينطق عليه بجميع أعماله ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها﴾ فيجعله الله حاسب نفسه و الحاكم عليها بأن يقال له ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ و يختم الله تبارك و تعالى على قوم أفواههم و تشهد أيديهم و أرجلهم و جميع جوارحهم بما كانوا يكتمون ﴿وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أقول قال الشيخ المفيد (رحمه الله) الحساب هو المقابلة بين الأعمال و الجزاء عليها و المواقفة للعبد على ما فرط منه و التوبيخ على سيئاته و الحمد على حسناته و معاملته في ذلك باستحقاقه و ليس هو كما ذهبت العامة إليه من مقابلة الحسنات بالسيئات و الموازنة بينهما على حسب استحقاق الثواب و العقاب عليهما إذ كان التحابط بين الأعمال غير صحيح و مذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت و ما يعتمد الحشوية في معناه غير معقول و الموازين هي التعديل بين الأعمال و الجزاء عليها و وضع كل جزاء في موضعه و إيصال كل ذي حق إلى حقه فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا لكل ميزان كفتان توضع الأعمال فيها إذ الأعمال أعراض و الأعراض لا يصح وزنها و إنما توصف بالثقل و الخفة على وجه المجاز و المراد بذلك أن ما ثقل منها هو ما كثر و استحق عليه عظيم الثواب و ما خف منها ما قل قدره و لم يستحق عليه جزيل الثواب و الخبر الوارد أن أمير المؤمنين و الأئمة من ذريته(عليه السلام)هم الموازين فالمراد أنهم المعدّلون بين الأعمال فيما يستحق عليها و الحاكمون فيها بالواجب و العدل و يقال فلان عندي في ميزان فلان و يراد به نظيره و يقال كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان و المراد به أن كلامه أعظم و أفضل قدرا و الذي ذكره الله تعالى في الحساب و الخوف منه إنما هو المواقفة على الأعمال لأن من وقف على أعماله لم يتخلص من تبعاتها و من عفا الله تعالى عنه في ذلك فاز بالنجاة و من ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ بكثرة استحقاقه الثواب ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بقلة أعمال الطاعات ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ و القرآن إنما أنزل بلغة العرب و حقيقة كلامها و مجازه و لم ينزل على ألفاظ العامة و ما سبق إلى قلوبها من الأباطيل انتهى كلامه (قدس سره).
بحار الأنوار — كتاب العدل و المعاد · الميزان (1)