الأقسامبحار الأنواركتاب الاحتجاج
بحار الأنوار

رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا مَرُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)طَأْطَأَ أَحَدُهُمْ رَأْسَهُ وَ ظَهْرَهُ هَكَذَا وَ غَطَّى رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.. ﴿‏أَلا إِنَّهُمْ‏﴾ يعني الكفار و المنافقين ﴿‏يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ‏﴾ أي يطوونها على ما هم عليه من الكفر عن الحسن و قيل معناه يخفون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله و ذكره و قيل يثنونها على عداوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قيل إنهم كانوا إذا قعدوا مجلسا على معاداة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و السعي في أمره بالفساد انضم بعضهم إلى بعض و ثنى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون ﴿‏لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ‏﴾ أي ليخفوا ذلك من الله تعالى على القول الأخير و على الأقوال الأخر ليستروا ذلك عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿‏أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ‏﴾ أي يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون فيما كانوا يدبرونه على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و على المؤمنين و يكتمونه و قيل كني باستغشاء ثيابهم عن الليل لأنهم يتغطون بظلمته. و في قوله ﴿‏إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ‏﴾ أي إلى أجل مسمى و وقت معلوم عن ابن عباس و مجاهد و قيل أي إلى جماعة يتعاقبون فيصرون على الكفر و لا يكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح و قيل إن الأمة المعدودة هم أصحاب المهدي (عجل الله فرجه) في آخر الزمان ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا كعدة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام. و في قوله ﴿‏فَلَعَلَّكَ تارِكٌ‏﴾ روي عن ابن عباس أن رؤساء مكة من قريش أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا يا محمد إن كنت رسولا فحول لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة فأنزل الله تعالى ﴿‏فَلَعَلَّكَ تارِكٌ‏﴾ الآية و - رَوَى الْعَيَّاشِيُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُؤَاخِيَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فَفَعَلَ فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَكَ وَصِيِّي فَفَعَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ وَ اللَّهِ لَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فِي شَنٍّ بَالٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا سَأَلَ مُحَمَّدٌ رَبَّهُ فَهَلَّا سَأَلَهُ مَلَكاً يَعْضُدُهُ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ كَنْزاً يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى فَاقَتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. ﴿‏فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ‏﴾ و هو ما فيه سب آلهتهم فلا تبلغهم إياه خوفا منهم. ﴿‏وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ‏﴾ أي و لعلك ﴿‏يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ‏﴾ و بما يلحقك من أذاهم و تكذيبهم و قيل باقتراحاتهم ﴿‏أَنْ يَقُولُوا‏﴾ أي كراهة أو مخافة أن يقولوا ﴿‏لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ‏﴾ من المال ﴿‏أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ‏﴾ يشهد له و ليس قوله ﴿‏فَلَعَلَّكَ‏﴾ على وجه الشك بل المراد به النهي عن ترك أداء الرسالة و الحث عليه كما يقول أحدنا لغيره و قد علم من حاله أنه يطيعه و لا يعصيه و يدعوه غيره إلى عصيانه لعلك تترك بعض ما آمرك به لقول فلان و إنما يقول ذلك ليؤنس من يدعوه إلى ترك أمره. ﴿‏قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ‏﴾ أي إن كان هذا مفترى على الله كما زعمتم فأتوا بعشر سور مثله في النظم و الفصاحة مفتريات على زعمكم فإن القرآن نزل بلغتكم و قد نشأت أنا بين أظهركم فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنه من عند الله و هذا صريح في التحدي و فيه دلالة على جهة إعجاز القرآن و أنها هي الفصاحة و البلاغة في هذا النظم المخصوص لأنه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء و الاختلاق لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلى طبقاتها معجز و أدناها و أوسطها ممكن فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العليا منها و لو كان وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز و المثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس لأن مثله في الجنس يكون حكايته فلا يقع بها التحدي و إنما يرجع ذلك إلى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر من مناقضات إمرئ القيس و علقمة و عمرو بن كلثوم و الحارث بن حلزة و جرير و الفرزدق و غيرهم. ﴿‏وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏﴾ أي ليعينوكم على معارضة القرآن ﴿‏إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏﴾ في قولكم إني افتريته فهذا غاية ما يمكن في التحدي و المحاجة و فيه الدلالة الواضحة على إعجاز القرآن لأنه إذا ثبت أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)تحداهم به و أوعدهم بالقتل و الأسر بعد أن عاب دينهم و آلهتهم و ثبت أنهم كانوا أحرص الناس على إبطال أمره حتى بذلوا مهجهم و أموالهم في ذلك فإذا قيل لهم افتروا أنتم مثل هذا القرآن و أدحضوا حجته فذلك أيسر و أهون عليكم من كل ما تكلفتموه فعدلوا عن ذلك و صاروا إلى الحرب و القتل و تكلف الأمور الشاقة فذلك من أدل الدلائل على عجزهم إذ لو قدروا على معارضته مع سهولة ذلك عليهم لفعلوه لأن العاقل لا يعدل عن الأمر السهل إلى الصعب الشاق مع حصول الغرض بكل واحد منهما فكيف و لو بلغوا غاية أمانيهم في الأمر الشاق و هو قتله(صلى الله عليه وآله وسلم)لكان لا يحصل غرضهم من إبطال أمرهم فإن المحق قد يقتل. فإن قيل لم ذكر التحدي مرة بعشر سور و مرة بسورة و مرة بحديث مثله فالجواب أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظور الكلام فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل و مرة بالأكثر ﴿‏فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ‏﴾ قيل إنه خطاب للمسلمين و قيل للكفار أي فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المعاونة و قيل للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)و ذكره بلفظ الجمع تفخيما. و في قوله ﴿‏ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا‏﴾ أي إن هذه الأخبار لم تكن تعلمها أنت و لا قومك من العرب يعرفونها من قبل إيحائنا إليك لأنهم لم يكونوا من أهل كتاب و سير. و في قوله ﴿‏ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ‏﴾ أي ما نقوي به قلبك و نطيب به نفسك و نزيدك به ثباتا على ما أنت عليه من الإنذار و الصبر على أذى قومك. و في قوله ﴿‏وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏﴾ فيه أقوال أحدها أنهم مشركو قريش كانوا يقرون بالله خالقا و محييا و مميتا و يعبدون الأصنام و يدعونها آلهة عن ابن عباس و الجبائي. و ثانيها أنها نزلت في مشركي العرب إذا سئلوا من خلق السماوات و الأرض و ينزل القطر قالوا الله ثم هم يشركون و كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك عن الضحاك. و ثالثها أنهم أهل الكتاب آمنوا بالله و اليوم الآخر و التوراة و الإنجيل ثم أشركوا بإنكار القرآن و نبوة نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الحسن و هذا القول مع ما تقدمه رواه دارم بن قبيصة عن علي بن موسى الرضا عن جده أبي عبد الله عليه السلام. و رابعها أنهم المنافقون يظهرون الإيمان و يشركون في السر عن البلخي و خامسها أنهم المشبهة آمنوا في الجملة و أشركوا في التفصيل و روي ذلك عن ابن عباس و سادسها أن المراد بالإشراك شرك الطاعة لا شرك العبادة أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبونها مما أوجب الله عليها النار فأشركوا بالله في طاعته و لم يشركوا بالله في عبادته عن أبي جعفر عليه السلام. وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْ لَا فُلَانٌ لَهَلَكْتُ وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَضَاعَ عِيَالِي جَعْلٌ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي مُلْكِهِ يَرْزُقُهُ وَ يَدْفَعُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ لَوْ قَالَ لَوْ لَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِفُلَانٍ لَهَلَكْتُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهَذَا. - وَ فِي رِوَايَةِ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ حُمْرَانَ عَنْهُمَا(عليهما السلام)أَنَّهُ شِرْكُ النِّعَمِ. - وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)قَالَ: إِنَّهُ شِرْكٌ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْكُفْرَ.. ﴿‏أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ‏﴾ أي عقوبة تغشاهم و تحيط بهم. و في قوله ﴿‏يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ‏﴾ أي بالعذاب قبل الرحمة عن ابن عباس و غيره و المثلات العقوبات. ﴿‏إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ‏﴾ فيه أقوال أحدها إنما أنت مخوف و هاد لكل قوم و ليس إليك إنزال الآيات فأنت مبتدأ و منذر خبره و هاد عطف على منذر و الثاني أن المنذر هو محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)و الهادي هو الله و الثالث أن معناه و لكل قوم نبي يهديهم و داع يرشده و الرابع أن المراد بالهادي كل داع إلى الحق - وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)أَنَا الْمُنْذِرُ وَ عَلِيٌّ الْهَادِي مِنْ بَعْدِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ. و روى مثله أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي بردة الأسلمي. و في قوله ﴿‏إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ‏﴾ هذا مثل ضربه الله لكل من عبد غير الله و دعاه رجاء أن ينفعه فمثله كمثل رجل بسط كفيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله و يسكن به غلته و ذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لا يصل نفعها إليهم فلا يستجاب دعاؤهم عن ابن عباس و قيل كباسط كفيه إلى الماء أي كالذي يدعو الماء بلسانه و يشير إليه بيده فلا يأتيه الماء عن مجاهد و قيل كالذي يبسط كفيه إلى الماء فمات قبل أن يبلغ الماء فاه و قيل إنه يتمثل العرب لمن يسعى فيما لا يدركه فيقول هو كالقابض على الماء. ﴿‏وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ‏﴾ أي ليس دعاؤهم الأصنام من دون الله إلا في ذهاب عن الحق و الصواب و قيل في ضلال عن طريق الإجابة و النفع ﴿‏وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ‏﴾ ﴿‏مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏﴾ يعني الملائكة و سائر المكلفين ﴿‏طَوْعاً وَ كَرْهاً‏﴾ أي يجب السجود لله تعالى إلا أن المؤمن يسجد له طوعا و الكافر كرها بالسيف أو يخضعون له إلا أن الكافر يخضع له كرها لأنه لا يمكنه أن يمتنع عن الخضوع لله تعالى لما يحل به من الآلام و الأسقام ﴿‏وَ ظِلالُهُمْ‏﴾ أي و يسجد ظلالهم لله ﴿‏بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏﴾ أي العشيات قيل المراد بالظل الشخص فإن من يسجد يسجد معه ظله قال الحسن يسجد ظل الكافر و لا يسجد الكافر و معناه عند أهل التحقيق أنه يسجد شخصه دون قلبه لأنه لا يريد بسجوده عبادة ربه من حيث إنه يسجد للخوف و قيل إن الظلال على ظاهرها و المعنى في سجودها تمايلها من جانب إلى جانب و انقيادها للتسخير بالطول و القصر ﴿‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ‏﴾ أي المؤمن و الكافر ﴿‏أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ‏﴾ أي الكفر و الإيمان أو الضلالة و الهدى أو الجهل و العلم ﴿‏أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ‏﴾ أي هل جعل هؤلاء الكفار شركاء في العبادة خلقوا أفعالا مثل خلق الله تعالى من الأجسام و الألوان و الطعوم و الروائح و القدرة و الحياة و غير ذلك ﴿‏فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ‏﴾ أي فاشتبه لذلك عليهم ما الذي خلق الله و ما الذي خلق الأوثان فظنوا أن الأوثان تستحق العبادة لأن أفعالها مثل أفعال الله تعالى فإذا لم يكن ذلك مشتبها إذ كان ذلك كله لله لم يبق شبهة أنه الإله لا تستحق العبادة سواه. و في قوله تعالى ﴿‏فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها‏﴾ يعني فاحتمل الأنهار الماء كل نهر بقدره الصغير على قدر صغره و الكبير على قدر كبره ﴿‏فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً‏﴾ أي طافيا عاليا فوق الماء شبه سبحانه الحق و الإسلام بالماء الصافي النافع للخلق و الباطل بالزبد الذاهب باطلا و قيل إنه مثل للقرآن النازل من السماء ثم يحتمل القلوب حظها من اليقين و الشك على قدرها فالماء مثل لليقين و الزبد مثل للشك عن ابن عباس ثم ذكر المثل الآخر فقال ﴿‏وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ‏﴾ و هو الذهب و الفضة و الرصاص و غيره مما يذاب ﴿‏ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ‏﴾ أي طلب زينة يتخذ منه كالذهب و الفضة ﴿‏أَوْ مَتاعٍ‏﴾ معناه ابتغاء متاع ينتفع به و هو مثل جواهر الأرض يتخذ منه الأواني و غيرها ﴿‏زَبَدٌ مِثْلُهُ‏﴾ أي مثل زبد الماء فإن هذه الأشياء التي تستخرج من المعادن توقد عليها النار ليتميز الخالص من الخبيث لها أيضا زبد و هو خبثها ﴿‏كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ‏﴾ أي مثل الحق و الباطل ﴿‏فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً‏﴾ أي باطلا متفرقا بحيث لا ينتفع به ﴿‏وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ‏﴾ و هو الماء الصافي و الأعيان التي ينتفع بها ﴿‏فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ‏﴾ فينتفع به الناس فمثل المؤمن و اعتقاده كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض و حياة كل شيء به و كمثل نفع الفضة و الذهب و سائر الأعيان المنتفع بها و مثل الكافر و كفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء و كمثل خبث الحديد و ما تخرجه النار من وسخ الذهب و الفضة التي لا ينتفع به ﴿‏كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ‏﴾ للناس في أمر دينهم قال قتادة هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد شبه نزول القرآن بالماء الذي ينزل من السماء و شبه القلوب بالأودية و الأنهار فمن استقصى في تدبره و تفكر في معانيه أخذ حظا عظيما منه كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير و من رضي بما أداه إلى التصديق بالحق على الجملة كان أقل حظا منه كالنهر الصغير فهذا مثل. ثم شبه الخطرات و وساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء و ذلك من خبث التربة لا من الماء و كذا الله ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحق يقول فكما يذهب الزبد باطلا و يبقى صفوة الماء كذلك يذهب مخايل الشك باطلا و يبقى الحق فهذا مثل ثان و المثل الثالث قوله ﴿‏وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ‏﴾ فالكفر مثل هذا الخبث الذي لا ينتفع به و الإيمان مثل الصافي الذي ينتفع به. و في قوله ﴿‏وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً‏﴾ جواب لو محذوف أي لكان هذا القرآن و قيل أي لما آمنوا ﴿‏أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا‏﴾ أي أ فلم يعلموا و يتبينوا عن ابن عباس و غيره و قيل معناه أ و لم يعلم الذين آمنوا علما يئسوا معه من أن يكون غير ما علموه و قيل معناه أ فلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون ﴿‏قارِعَةٌ‏﴾ أي نازلة و داهية تقرعهم من الحرب و الجدب و القتل و الأسر ﴿‏أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ‏﴾ قيل إن التاء في تحل للتأنيث أي ﴿‏تَحُلُ‏﴾ تلك القارعة ﴿‏قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ‏﴾ فتجاورهم حتى تحصل لهم المخافة منها و قيل إن التاء للخطاب أي ﴿‏تَحُلُ‏﴾ أنت يا محمد بنفسك ﴿‏قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ‏﴾ يعني مكة ﴿‏حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ‏﴾ بفتح مكة و قيل أي بالإذن لك في قتالهم و قيل حتى يأتي يوم القيامة. ﴿‏فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾ أي فأمهلتهم و أطلت مدتهم ليتوبوا أو ليتم عليهم الحجة ﴿‏فَكَيْفَ كانَ عِقابِ‏﴾ تفخيم لذلك العقاب ﴿‏أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ‏﴾ أي أ فمن هو قائم بالتدبير على كل نفس و حافظ على كل نفس أعمالها حتى يجازيها كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام و يدل على المحذوف قوله تعالى ﴿‏وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ‏﴾ أي بما يستحقون من الصفات و إضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يوصف الله بالخالق و الرازق و المحيي و المميت و قيل سموهم بالأسماء التي هي صفاتهم ثم انظروا هل تدل صفاتهم على جواز عبادتهم و اتخاذهم آلهة و قيل معناه أنه ليس لهم اسم له مدخل في استحقاق الإلهية و ذلك استحقار لهم و قيل سموهم ما ذا خلقوا أو هل ضروا أو نفعوا ﴿‏أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ‏﴾ أي بل أ تخبرون الله بشريك له في الأرض و هو لا يعلمه على معنى أنه ليس و لو كان لعلم ﴿‏أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ‏﴾ أي أم تقولون مجازا من القول و باطلا لا حقيقة له فالمعنى أنه كلام ظاهر ليس له في الحقيقة باطن و معنى فهو كلام فقط و قيل أم بظاهر كتاب أنزله الله سميتم الأصنام آلهة فبين أنه ليس هاهنا دليل عقلي و لا سمعي يوجب استحقاق الأصنام الإلهية ﴿‏بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ‏﴾ أي دع ذكر ما كنا فيه زين الشيطان لهم الكفر لأن مكرهم بالرسول كفر منهم و قيل بل زين لهم الرؤساء و الغواة كذبهم و زورهم. و في قوله ﴿‏وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ‏﴾ المراد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين أعطوا القرآن أو مؤمنو أهل الكتاب. و في قوله ﴿‏وَ إِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ‏﴾ أي من نصر المؤمنين عليهم و تمكينك منهم بالقتل و الأسر و اغتنام الأموال ﴿‏أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ‏﴾ أي نقبضك إلينا قبل أن نريك ذلك و بين بهذا أنه يكون بعض ذلك في حياته و بعضه بعد وفاته أي فلا تنتظر أن يكون جميع ذلك في أيام حياتك ﴿‏فَإِنَّما عَلَيْكَ‏﴾ أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم و علينا حسابهم و مجازاتهم. و في قوله ﴿‏وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏﴾ قيل هو الله تعالى و قيل مؤمنو أهل الكتاب و قيل إن المراد به علي بن أبي طالب(عليه السلام)و أئمة الهدى(عليه السلام)عن أبي جعفر و أبي عبد الله(عليه السلام)بأسانيد. و في قوله ﴿‏مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ‏﴾ أي مثل أعمالهم ﴿‏كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ‏﴾ أي ذرته و نسفته ﴿‏فِي يَوْمٍ عاصِفٍ‏﴾ أي شديد الريح فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرق و الانتفاع به فكذلك هؤلاء الكفار ﴿‏لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ‏﴾ أي على الانتفاع بأعمالهم. و في قوله ﴿‏كَلِمَةً طَيِّبَةً‏﴾ هي كلمة التوحيد و قيل كل كلام أمر الله تعالى ﴿‏كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ‏﴾ أي شجرة زاكية نامية راسخة أصولها في الأرض عالية أغصانها و ثمارها في السماء و أراد به المبالغة في الرفعة و هذه الشجرة قيل هي النخلة و قيل شجرة في الجنة - وَ رَوَى ابْنُ عُقْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)أَنَّ الشَّجَرَةَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ فَرْعَهَا عَلِيٌّ(عليه السلام)وَ غُصْنَ الشَّجَرَةِ فَاطِمَةُ(عليها السلام)وَ ثِمَارَهَا أَوْلَادُهَا وَ أَوْرَاقَهَا شِيعَتُنَا ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيَمُوتُ فَتَسْقُطُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقَةٌ وَ إِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيُولَدُ فَيُورَقُ مَكَانَ تِلْكَ الْوَرَقَةِ وَرَقَةٌ.. ﴿‏تُؤْتِي أُكُلَها‏﴾ أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها ﴿‏كُلَّ حِينٍ‏﴾ أي في كل ستة أشهر عن ابن عباس و أبي جعفر(عليه السلام)و قيل أي كل سنة و قيل أي كل غداة و عشية و قيل في جميع الأوقات و قيل إنه سبحانه شبه الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها و شبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة و شبه ما يكسبه المؤمنون من بركة الإيمان و ثوابه كل وقت و حين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب و التمر و قيل إن معنى قوله ﴿‏تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها‏﴾ ما يفتي به الأئمة من آل محمد شيعتهم في الحلال و الحرام ﴿‏وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ‏﴾ هي كلمة الشرك و الكفر و قيل كل كلام في معصية الله كشجرة خبيثة غير زاكية و هي شجرة الحنظل و قيل إنها شجرة هذه صفتها و هو أنه لا قرار لها في الأرض و قيل إنها الكشوث و - رَوَى أَبُو الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)أَنَّ هَذَا مَثَلُ بَنِي أُمَيَّةَ.. ﴿‏اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ‏﴾ أي استؤصلت و اقتلعت جثته من الأرض ﴿‏ما لَها مِنْ قَرارٍ‏﴾ ما لتلك الشجرة من ثبات فإن الريح تنسفها و تذهب بها فكما أن هذه الشجرة لا ثبات لها و لا بقاء و لا ينتفع بها أحد فكذلك الكلمة الخبيثة لا ينتفع بها صاحبها. و في قوله ﴿‏أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً‏﴾ أي عرفوا نعمة الله بمحمد أي عرفوا محمدا ثم كفروا به فبدلوا مكان الشكر كفرا و - رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ نَحْنُ وَ اللَّهِ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ. و يحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله بدلوها أقبح التبديل إذ جعلوا مكان شكرها الكفر بها و اختلف في المعني بالآية فَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ ابْنِ جُبَيْرٍ وَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَ نَصَبُوا لَهُ الْحَرْبَ وَ الْعَدَاوَةَ.: وَ سَأَلَ رَجُلٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ هُمَا الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وَ بَنُو الْمُغِيرَةِ فَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ وَ أَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَكَفَيْتُمُوهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. و قيل إنهم جبلة بن الأيهم و من تبعه من العرب تنصروا و لحقوا بالروم ﴿‏وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ‏﴾ أي دار الهلاك. و في قوله ﴿‏رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾ أي في الآخرة إذا صار المسلمون إلى الجنة و الكفار إلى النار ﴿‏ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ‏﴾ أي بالموت أو بعذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا أو إلا بالرسالة ﴿‏وَ ما كانُوا إِذاً‏﴾ أي حين تنزل الملائكة ﴿‏مُنْظَرِينَ‏﴾ أي لا يمهلون ساعة. ﴿‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ‏﴾ أي القرآن ﴿‏وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏﴾ عن الزيادة و النقصان و التغيير و التحريف و قيل نحفظه من كيد المشركين فلا يمكنهم إبطاله و لا يندرس و لا ينسى و قيل المعنى و إنا لمحمد حافظون. ﴿‏وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ‏﴾ أي على هؤلاء المشركين ﴿‏باباً مِنَ السَّماءِ‏﴾ ينظرون إليه ﴿‏فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ‏﴾ أي فظلت الملائكة تصعد و تنزل في ذلك الباب و قيل فظل هؤلاء المشركون يعرجون إلى السماء من ذلك الباب و شاهدوا ملكوت السماوات ﴿‏لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا‏﴾ أي سدت و غطيت و قيل تحيرت و سكنت عن أن تنظر ﴿‏بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ‏﴾ سحرنا محمد فيخيل الأشياء إلينا على خلاف حقيقتها. و في قوله ﴿‏لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ‏﴾ أي لا ترفعن عينيك من هؤلاء الكفار إلى ما متعناهم و أنعمنا عليهم به أمثالا من النعم من الأموال و الأولاد و غير ذلك من زهرات الدنيا فيكون أزواجا منصوبا على الحال و المراد به الأشياء و الأمثال و قيل لا تنظرن و لا تعظمن في عينيك و لا تمدهما إلى ما متعنا به أصنافا من المشركين ﴿‏وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ‏﴾ إن لم يؤمنوا و نزل بهم العذاب ﴿‏وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏﴾ أي تواضع لهم. ﴿‏كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ‏﴾ أي أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين و هم اليهود و النصارى ﴿‏الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ‏﴾ جمع عضة و أصله عضوة و التعضية التفريق أي فرقوا و جعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه و كفروا ببعضه و قيل سماهم مقتسمين لأنهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها و كفروا ببعضها و قيل معناه أني أنذركم عذابا ﴿‏كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ‏﴾ الذين اقتسموا طريق مكة يصدون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و الإيمان به قال مقاتل كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة لا تغتروا بالخارج منا و المدعي النبوة فأنزل الله بهم عذابا فماتوا شر ميتة ثم وصفهم فقال ﴿‏الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ‏﴾ أجزاء أجزاء فقالوا سحر و قالوا أساطير الأولين و قالوا مفترى عن ابن عباس. ﴿‏فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ‏﴾ أي أظهر و أعلن و صرح بما أمرت به غير خائف ﴿‏وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏﴾ أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم أو لا تلتفت إليهم و لا تخف منهم ﴿‏حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏﴾ أي الموت. و في قوله ﴿‏أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ‏﴾ أي الأصنام أو الكفار ﴿‏لا جَرَمَ‏﴾ أي حقا و هو بمنزلة اليمين. و في قوله ﴿‏أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ‏﴾ أي يأخذهم العذاب في تصرفهم في أسفارهم و تجاراتهم و قيل في تقلبهم في كل الأحوال ليلا و نهارا فيدخل فيه تقلبهم على الفراش يمينا و شمالا ﴿‏فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏﴾ أي فليسوا بفائتين و ما يريده الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه ﴿‏أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ‏﴾ قال الأكثر أي على تنقص إما بقتل أو بموت أي ينقص من أطرافهم و نواحيهم يأخذ منهم الأول فالأول حتى يأتي على جميعهم و قيل في حال تخوفهم من العذاب ﴿‏يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ‏﴾ أي يتميل ظلاله عن جانب اليمين و جانب الشمال و معنى سجود الظل دورانه من جانب إلى جانب كما مر و قيل المراد بالظل هو الشخص بعينه و لهذا الإطلاق شواهد في كلام العرب ﴿‏وَ هُمْ داخِرُونَ‏﴾ أي أذلة صاغرون فنبه تعالى على أن جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها و مدبرها فهي في ذلك كالساجد من العباد ﴿‏وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً‏﴾ أي له الطاعة دائمة واجبة على الدوام من وصب الشيء وصوبا إذا دام و قيل أي خالصا ﴿‏نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏﴾ أي ما مر ذكره في سورة الأنعام من الحرث و الأنعام و غيرها ﴿‏وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ‏﴾ أي و يجعلون لأنفسهم ما يشتهونه و يحبونه من البنين ﴿‏وَ هُوَ كَظِيمٌ‏﴾ أي ممتلئ غيظا و حزنا ﴿‏أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ‏﴾ أي يدبر في أمر البنت المولود له أ يمسكه على ذل و هوان أم يخفيه في التراب و يدفنه حيا و هو الوأد الذي كان من عادة العرب و هو أن أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا ولد له أنثى جعلها فيها و حثا عليها التراب حتى تموت تحته و كانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر ﴿‏وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ‏﴾ أي البنات ﴿‏أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى‏﴾ أي البنون أو المثوبة الحسنى في الآخرة ﴿‏وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ‏﴾ أي مقدمون معجلون إلى النار. و في قوله ﴿‏فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا‏﴾ فيه قولان أحدهما أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم و أزواجهم حتى يكونوا فيه سواء و يرون ذلك نقصا فلا يرضون لأنفسهم به و هم يشركون عبادي في ملكي و سلطاني و يوجهون العبادة و القرب إليهم كما يوجهونها إلي و الثاني أن معناه فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم بل الله رازق الملاك و المماليك فإن الذي ينفقه المولى على مملوكه إنما ينفقه مما يرزقه الله فهم سواء في ذلك. و في قوله ﴿‏وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً‏﴾ يريد حرا رزقناه و ملكناه مالا و نعمة ﴿‏فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً‏﴾ لا يخاف من أحد ﴿‏هَلْ يَسْتَوُونَ‏﴾ يريد أن الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مالكا قادرا على الإنفاق دون الآخر لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة التي لا تعقل و لا تتحرك و بين الله عز اسمه القادر على كل شيء و الرازق لجميع خلقه و قيل إن هذا المثل للكافر و المؤمن فإن الكافر لا خير عنده و المؤمن يكسب الخير ﴿‏وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ‏﴾ من الكلام لأنه لا يفهم و لا يفهم عنه و قيل معناه لا يقدر أن يميز أمر نفسه ﴿‏وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ‏﴾ أي ثقل و وبال على وليه الذي يتولى أمره ﴿‏أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ‏﴾ أي لا منفعة لمولاه فيه أينما يرسله في حاجة لا …

بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن الكريم

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.