يرجع بخير و لا يهتدي إلى منفعة ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أي هذا الأبكم ﴿وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي و من هو فصيح يأمر بالحق و الصواب ﴿وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على دين قويم و طريق واضح فيما يأتي و يذر و فيه أيضا وجهان أحدهما أنه مثل ضربه الله تعالى فيمن يؤمل الخير من جهته و من لا يؤمل منه و أصل الخير كله من الله فكيف يسوى بينه و بين شيء سواه في العبادة. و الآخر أنه مثل للكافر و المؤمن فالأبكم الكافر و الذي يأمر بالعدل المؤمن عن ابن عباس و قيل إن الأبكم أبي بن خلف و ﴿مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ حمزة و عثمان بن مظعون عن عطاء و قيل إن الأبكم هاشم بن عمرو بن الحارث القرشي و كان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. و في قوله ﴿وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ نزلت في الذين بايعوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على الإسلام فقال سبحانه للمسلمين الذين بايعوه لا يحملنكم قلة المسلمين و كثرة المشركين على نقض البيعة فإن الله حافظكم أي اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول و أكدتموه بالأيمان و قيل نزلت في قوم حالفوا قوما فجاءهم قوم و قالوا نحن أكثر منهم و أعز و أقوى فانقضوا ذلك العهد و حالفونا ﴿وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ أي لا تكونوا كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار و فتل للغزل و هي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن و لا تزال ذلك دأبها و اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب و كان تسمى خرقاء مكة ﴿أَنْكاثاً﴾ جمع نكث و هو الغزل من الصوف و الشعر يبرم ثم ينكث و ينقض ليغزل ثانية ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي دغلا و خيانة و مكرا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي بسبب أن يكون قوم أكثر من قوم و أمة أعلى من أمة ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ أي فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى. و في قوله ﴿وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ يعني إذا نسخنا آية و آتينا مكانها أخرى ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ قال ابن عباس كانوا يقولون يسخر محمد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر و غدا يأمرهم بأمر و إنه لكاذب و يأتيهم بما يقول من عند نفسه ﴿وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ قال ابن عباس قالت قريش إنما يعلمه بلعام و كان قينا بمكة روميا نصرانيا و قال الضحاك أرادوا به سلمان الفارسي قالوا إنه يتعلم القصص منه و قال مجاهد و قتادة أرادوا به عبدا لبني الحضرمي روميا يقال له يعيش أو عائش صاحب كتاب و أسلم و حسن إسلامه و قال عبد الله بن مسلم كان غلامان في الجاهلية نصرانيان من أهل عين التمر اسم أحدهما يسار و الآخر جبير و كانا صيقلين يقرءان كتابا لهما بلسانهم و كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ربما مر بهما و استمع قراءتهما فقالوا إنما يتعلم منهما ثم ألزمهم الله الحجة و أكذبهم بأن قال ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ﴾ أي لغة الذي يضيفون إليه التعليم و يميلون إليه القول أعجمية و الأعجمي هو الذي لا يفصح و إن كان عربيا ﴿وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر بين لا يتشكل يعني إذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله و هو بلغتهم فكيف يأتي به الأعجمي. و في قوله ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الخطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و المراد به غيره ليكون أبلغ في الزجر ﴿مَدْحُوراً﴾ أي مطرودا مبعدا عن رحمة الله. و في قوله ﴿إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أي لطلبوا طريقا يقربهم إلى مالك العرش لعلمهم بعلوه عليهم و عظمته و قال أكثر المفسرين معناه لطلبوا سبيلا إلى معازة مالك العرش و مغالبته فإن الشريكين في الإلهية يكونان متساويين في صفات الذات و يطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك فيكون إشارة إلى دليل التمانع. و في قوله ﴿وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال الكلبي هم أبو سفيان و النضر بن الحارث و أبو جهل و أم جميل امرأة أبي لهب حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن فكانوا يأتونه و يمرون به و لا يرونه ﴿حِجاباً مَسْتُوراً﴾ أي ساترا و قيل مستورا عن الأعين لا يبصر إنما هو من قدرة الله ﴿وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي ذكرت الله بالتوحيد و أبطلت الشرك ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً﴾ أي أعرضوا عنك مدبرين نافرين و المعني بذلك كفار قريش و قيل هم الشياطين و قيل إذا سمعوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ولوا و قيل إذا سمعوا قول لا إله إلا الله. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي ليس يخفى علينا حال هؤلاء المشركين و غرضهم في الاستماع إليك ﴿وَ إِذْ هُمْ نَجْوى﴾ أي متناجون و المعنى أنا نعلمهم في حال ما يصغون إلى سماع قراءتك و في حال يقومون من عندك و يتناجون فيما بينهم فيقول بعضهم هو ساحر و بعضهم هو كاهن و بعضهم هو شاعر و قيل يعني به أبا جهل و زمعة بن الأسود و عمرو بن هشام و خويطب بن عبد العزى اجتمعوا و تشاوروا في أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال أبو جهل هو مجنون و قال زمعة هو شاعر و قال خويطب هو كاهن ثم أتوا الوليد بن المغيرة و عرضوا ذلك عليه فقال هو ساحر ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً﴾ أي سحر فاختلط عليه أمره و قيل المراد بالمسحور المخدوع و المعلل و قيل أي ذا سحر أي رئة خلقه الله بشرا مثلكم و قيل المسحور بمعنى الساحر كالمستور بمعنى الساتر. و في قوله ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي الملائكة و المسيح و عزير و قيل هم الجن لأن قوما من العرب ﴿كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ﴾ عن ابن مسعود قال و أسلم أولئك النفر و بقي الكفار على عبادتهم. و في قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ﴾ أي أحاط علما بأحوالهم و ما يفعلونه من طاعة أو معصية ﴿وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ فيه أقوال أحدها أن المراد بالرؤيا رؤية العين و المراد الأسرى و ما رآه في المعراج و ثانيها أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة و هو بالمدينة فقصدها فصده المشركون في الحديبية حتى شك قوم و ثالثها أن ذلك رؤيا رآها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في منامه أن قرودا تصعد منبره و تنزل فساءه ذلك و اغتم به و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله(عليه السلام)و قالوا على هذا التأويل إن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية أخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه و قتلهم ذريته و قيل إن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم و إنما سميت فتنة لأن المشركين قالوا إن النار تحرق الشجر فكيف تنبت الشجرة في النار و صدق به المؤمنون. و في قوله ﴿وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ ال ابن عباس إن جماعة من قريش و هم عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو سفيان بن الحرب و الأسود بن المطلب و زمعة بن الأسود و الوليد بن المغيرة و أبو جهل بن هشام و عبد الله بن أمية و أمية بن خلف و العاص بن وائل و نبيه و منبه ابنا الحجاج و النضر بن الحارث و أبو البختري بن هشام اجتمعوا عند الكعبة و قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد و كلموه و خاصموه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك فبادر عليه و آله صلوات الله و سلامه إليهم ظنا منه أنه بدا لهم من أمره و كان حريصا على رشدهم فجلس إليهم فقالوا يا محمد إنا دعوناك لنعتذر إليك فلا نعلم قوما أدخل على قومه ما أدخلت على قومك شتمت الآلهة و عبت الدين و سفهت الأحلام و فرقت الجماعة فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالا أعطيناك و إن كنت تطلب الشرف سودناك علينا و إن كانت علة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)ليس شيء من ذلك بل بعثني الله إليكم رسولا و أنزل كتابا فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و إن تردوه أصبر حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا قالوا فإذا ليس أحد أضيق بلدا منا فاسأل ربك أن يسير هذه الجبال و يجري لنا أنهارا كأنهار الشام و العراق و أن يبعث لنا من مضى و ليكن فيهم قصي فإنه شيخ صدوق لنسألهم عما تقول أ حق أم باطل فقال ما بهذا بعثت قالوا فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك و يجعل لنا جنات و كنوزا و قصورا من ذهب فقال ما بهذا بعثت و قد جئتكم بما بعثني الله تعالى به فإن قبلتم و إلا فهو يحكم بيني و بينكم قالوا فأسقط علينا السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك قال ذاك إلى الله إن شاء فعل و قال قائل منهم لا نؤمن لك حتى تأتي بالله و الملائكة قبيلا فقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)و قام معه عبد الله بن أمية المخزومي ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ثم سألوك لأنفسهم أمورا فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به فلم تفعل فو الله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ثم ترقى فيه و أنا أنظر و يأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك و كتاب يشهد لك و قال أبو جهل إنه أبى إلا سب الآلهة و شتم الآباء و إني أعاهد الله لأحملن حجرا فإذا سجد ضربت به رأسه فانصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حزينا لما رأى من قومه فأنزل الله سبحانه الآيات. ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ أي تشقق لنا من أرض مكة عينا ينبع منه الماء في وسط مكة ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ أي قطعا قد تركب بعضها على بعض و معنى كما زعمت أي كما خوفتنا به من انشقاق السماء و انفطارها أو كما زعمت أنك نبي تأتي بالمعجزات ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أي كفيلا ضامنا لنا بما تقول و قيل هو جمع القبيلة أي بالملائكة قبيلة قبيلة و قيل أي مقابلين لنا و هذا يدل على أن القوم كانوا مشبهة مع شركهم ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ أي من ذهب و قيل الزخرف النقوش ﴿أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ أي تصعد ﴿وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ أي و لو فعلت ذلك لم نصدقك حتى تنزل على كل واحد منا كتابا من السماء شاهدا بصحة نبوتك نقرؤه ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ أي تنزيها له من كل قبيح و سوء و في ذلك من الجواب أنكم تتخيرون الآيات و هي إلى الله سبحانه فهو العالم بالتدبير الفاعل لما توجبه المصلحة فلا وجه لطلبكم إياها مني و قيل أي تعظيما له عن أن يحكم عليه عبيده لأن له الطاعة عليهم و قيل إنهم لما قالوا أو تأتي بالله أو ترقى في السماء إلى عند الله لاعتقادهم أنه سبحانه جسم قال ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ عن كونه بصفة الأجسام حتى يجوز عليه المقابلة و النزول و قيل معناه تنزيها له عن أن يفعل المعجزات تابعا للاقتراحات ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا﴾ أي هذه الأشياء ليست في طاقة البشر فلا أقدر بنفسي أن آتي بها ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي ساكنين قاطنين ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا﴾ منهم و قيل معناه مطمئنين إلى الدنيا و لذاتها غير خائفين و لا متعبدين بشرع و قيل معناه لو كان أهل الأرض ملائكة لبعثنا إليهم ملكا ليكونوا إلى الفهم إليه أسرع و قيل إن العرب قالوا كنا ساكنين مطمئنين فجاء محمد فأزعجنا و شوش علينا أمرنا فبين الله سبحانه أنهم لو كانوا ملائكة مطمئنين لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم فكذلك كون الناس مطمئنين لا يمنع من إرسال الرسل إليهم إذ هم إليه أحوج من الملائكة. و في قوله ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ أي الفقر و الفاقة ﴿وَ كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ أي بخيلا و في قوله ﴿وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ أي و أنزلنا عليك قرآنا فصلناه سورا و آيات أو فرقنا به الحق عن الباطل أو جعلنا بعضه خبرا و بعضه أمرا و بعضه نهيا و بعضه وعدا و بعضه وعيدا أو أنزلناه متفرقا لم ننزله جميعا إذ كان بين أوله و آخره نيف و عشرون سنة ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ أي على تثبت و تؤدة ليكون أمكن في قلوبهم و قيل لتقرأه عليهم مفرقا شيئا بعد شيء ﴿وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ على حسب الحاجة و وقوع الحوادث ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ به فإن إيمانكم ينفعكم و لا ينفع غيركم و هذا تهديد لهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي أعطوا علم التوراة قبل نزول القرآن كعبد الله بن سلام و غيره و قيل إنهم أهل العلم من أهل الكتاب و غيرهم و قيل إنهم أمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ أي يسقطون على الوجوه ساجدين و إنما خص الذقن لأن من سجد كان أقرب شيء منه إلى الأرض ذقنه. و في قوله ﴿قَيِّماً﴾ أي معتدلا مستقيما لا تناقض فيه أو قيما على سائر الكتب المتقدمة يصدقها و يحفظها و ينفي الباطل عنها و هو الناسخ لشرائعها و قيل قيما لأمور الدين يلزم الرجوع إليه فيها و قيل دائما لا ينسخ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ أي مهلك و قاتل نفسك على آثار قومك الذين ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ تمردا منهم على ربهم ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ أي بالقرآن ﴿أَسَفاً﴾ أي حزنا و تلهفا و وجدا بإدبارهم عنك و إعراضهم عن قبول ما آتيتهم به و قيل ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أي بعد موتهم. و في قوله ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إلا طلب أن تأتيهم العادة في الأولين من عذاب الاستئصال ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ أي مقابلة من حيث يرونها و تأويله أنهم بامتناعهم عن الإيمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرها. و في قوله ﴿أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أ فحسب الذين جحدوا توحيد الله ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي﴾ أربابا ينصرونهم و يدفعون عنهم عقابي و المراد بالعباد المسيح و الملائكة و قيل معناه أ فحسب الذين كفروا أن يتخذوا من دوني آلهة و إني لا أغضب لنفسي عليهم و لا أعاقبهم ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أي يطمع لقاء ثوابه. و في قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي الأحزاب من أهل الكتاب في أمر عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) كما مر. و في قوله ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي أ نحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ أي منزلا و مسكنا أو موضع إقامة ﴿وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي مجلسا ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً﴾ قال ابن عباس الأثاث المتاع و زينة الدنيا و الرئي المنظر و الهيئة و قيل المعني بالآية النضر بن الحارث و ذووه و كانوا يرجلون شعورهم و يلبسون أفخر ثيابهم و يفتخرون بشارتهم و هيئتهم على أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ﴿لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ أمر معناه الخبر أي جعل الله جزاء ضلالته أن يمد له بأن يتركه فيها. و في قوله ﴿أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ أ فرأيت كلمة تعجيب و هو العاص بن وائل و قيل الوليد بن المغيرة و قيل هو عام ﴿وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً﴾ أي في الجنة استهزاء أو إن أقمت على دين آبائي و عبادة آلهتي أعطى في الدنيا مالا و ولدا ﴿وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ أي نصل له بعض العذاب بالبعض فلا ينقطع أبدا ﴿وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أي ما عنده من المال و الولد. و في قوله ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ الإد الأمر العظيم أي لقد جئتم بشيء منكر عظيم شنيع ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي أرادت السماوات تنشق لعظم فريتهم و إعظاما لقولهم ﴿وَ تَخِرُّ الْجِبالُ﴾ أي تسقط ﴿هَدًّا﴾ أي كسرا شديدا و قيل معناه هدما ﴿وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أي لا يليق به و ليس من صفته اتخاذ الولد لأنه يقتضي حدوثه و احتياجه و في قوله ﴿قَوْماً لُدًّا﴾ أي شدادا في الخصومة. و في قوله ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ أي يجدد القرآن لهم عظة و اعتبارا و قيل يحدث لهم شرفا بإيمانهم به. ﴿وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ فيه وجوه أحدها أن معناه لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل(عليه السلام)من إبلاغه فإنه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ معه و يعجل بتلاوته مخافة نسيانه أي تفهم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من قراءته و لا تقرأ معه و ثانيها أن معناه لا تقرئ به أصحابك و لا تمله حتى يتبين لك معانيه و ثالثها أن معناه و لا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه لأنه تعالى إنما ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة. و في قوله ﴿أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ أي أ و لم يأتهم في القرآن بيان ما في كتب الأولى من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما اقترحوا الآيات ثم كفروا بها ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي كل واحد منا و منكم منتظر فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم و أنتم تتربصون بنا الدوائر. و في قوله ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي قالوا القرآن المجيد تخاليط أحلام رآها في المنام ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ أي لم يؤمن قبل هؤلاء الكفار من أهل قرية جاءتهم الآيات التي طلبوها فأهلكناهم مصرين على الكفر ﴿أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ عند مجيئها ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ - قَالَ عَلِيٌّ(عليه السلام)نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ. و قيل أهل التوراة و الإنجيل و قيل أهل العلم بأخبار الأمم و قيل أهل القرآن فيه ذكركم أي شرفكم إن تمسكتم به أو ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم و دنياكم. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ و إنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار و تذكرة لذوي الاعتبار ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً﴾ ما يتلهى به و يلعب ﴿لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ من جهة قدرتنا أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة و الأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف و تزويقها و تسوية الفروش و تزيينها و قيل اللهو الولد بلغة اليمن و قيل الزوجة و المراد الرد على النصارى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ﴾ الذي من عداده اللهو ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيمحقه. ﴿وَ مَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم بمنزلة المقربين عند الملوك ﴿وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي و لا يتبعون منه ﴿أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ نزلت حين قالوا نتربص به ريب المنون ﴿حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك و أنه بسبب ما هم فيه. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ أي يأتيها أمرنا فينقصها من أطرافها بتخريبها و بموت أهلها و قيل بموت العلماء و روي ذلك عن أبي عبد الله(عليه السلام)قَالَ نُقْصَانُهَا ذَهَابُ عَالِمِهَا و قيل معناه ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ بظهور النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على من قاتله أرضا فأرضا و قوما فقوما فيأخذ قراهم و أراضيهم. و في قوله ﴿وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قيل الزبور كتب الأنبياء و الذكر اللوح المحفوظ و قيل الزبور الكتب المنزلة بعد التوراة و الذكر التوراة و قيل الزبور زبور داود و الذكر التوراة ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ قيل يعني أرض الجنة يرثها عبادي المطيعون و قيل هي الأرض المعروفة يرثها أمة محمد بالفتوح و - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)هُمْ أَصْحَابُ الْمَهْدِيِّ (عجل الله فرجه) فِي آخِرِ الزَّمَانِ.. ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي أعلمتكم بالحرب إعلاما يستوي نحن و أنتم في علمه أو على سواء في الإيذان لم أبين الحق لقوم دون قوم ﴿وَ إِنْ أَدْرِي﴾ أي ما أدري ﴿أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ يعني أجل القيامة أو الإذن في حربكم ﴿وَ إِنْ أَدْرِي﴾ أي ما أدري ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ أي لعل ما آذنتكم به اختبار لكم أو لعل هذه الدنيا فتنة لكم أو لعل تأخير العذاب محنة و اختبار لكم لترجعوا عما أنتم عليه ﴿وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أي تتمتعون به إلى وقت انقضاء آجالكم. و في قوله تعالى ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ﴾ قيل المراد به النضر بن الحارث و المراد بالشيطان شيطان الإنس لأنه كان يأخذ من الأعاجم و اليهود ما يطعن به على المسلمين. و في قوله ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي متكبرا في نفسه تقول العرب ثنى فلان عطفه إذا تكبر و تجبر و عطفا الرجل جانباه و قيل معناه لاوي عنقه إعراضا و تكبرا ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ أي على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف أي على طرف جبل و نحوه و قيل أي على شك و قيل يعبد الله بلسانه دون قلبه قيل نزلت في جماعة كانوا يقدمون على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة فكان أحدهم إذا صح جسمه و نتجت فرسه و ولدت امرأته غلاما و كثرت ماشيته رضي به و اطمأن إليه و إن أصابه وجع و ولدت امرأته جارية قال ما أصبت في هذا الدين إلا شرا ﴿وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أي اختبار بجدب و قلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي رجع عن دينه إلى الكفر. و قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ﴾ المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا و الآخرة فمن كان يظن خلاف ذلك و يتوقعه من غيظه و قيل المراد بالنصر الرزق و الضمير لمن ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غضبا أو المبالغ جزعا حتى يمد حبلا إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا اختنق فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه و قيل فليمدد حبلا إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانه فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ فليتصور في نفسه ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ فعله ذلك و سماه على الأول كيدا لأنه منتهى ما يقدر عليه ﴿ما يَغِيظُ﴾ غيظه أو الذي يغيظ من نصر الله و قيل نزلت في قوم مسلمين استبطئوا نصر الله لاستعجالهم و شدة غيظهم على المشركين ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي يثبون و يبطشون بهم ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ﴾ أي عابد الصنم و معبوده أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب و الصنم يطلب منه الذباب السلب أو الصنم و الذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه فلو حققت وجدت الصنم أضعف منه بدرجات ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها أو لاعبون فيها ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا ﴿أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ أن ما نعطيهم و نجعله مددا لهم ﴿مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ﴾ بيان لما و ليس خبرا له بل خبره ﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ﴾ و الراجع محذوف و المعنى أن الذي نمدهم به نسارع به فيما فيه خيرهم و إكرامهم ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك الإمداد استدراج ﴿وَ لَدَيْنا كِتابٌ﴾ يعني اللوح أو صحيفة الأعمال ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة غامرة لها ﴿مِنْ هذا﴾ الذي وصف به هؤلاء أو من كتاب الحفظة ﴿وَ لَهُمْ أَعْمالٌ﴾ خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ متجاوزة لما وصفوا به أو منحطة عما هم عليه من الشرك ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ معتادون فعلها ﴿حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعّميهم ﴿بِالْعَذابِ﴾ يعني القتل يوم بدر أو الجوع - حين دعا عليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فقحطوا حتى أكلوا الكلاب و الجيف و العظام المحترقة. ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ فأجاءوا الصراخ بالاستغاثة فقيل لهم ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ النكوص الرجوع القهقرى ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ الضمير للبيت و شهرة استكبارهم و افتخارهم بأنهم قوامه أغنى عن سبق ذكره أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي ﴿سامِراً﴾ أي يسمرون بذكر القرآن و الطعن فيه ﴿تَهْجُرُونَ﴾ من الهجر بفتح الهاء إما بمعنى القطيعة أو الهذيان أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو الهجر بالضم الفحش ﴿أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي القرآن ليعلموا أنه الحق ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الرسول و الكتاب أو من الأمن من عذاب الله فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون ﴿وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ بأن كان في الواقع آلهة ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَ﴾ كما سبق في قوله تعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و قيل لو اتبع الحق أهواءهم و انقلب باطلا لذهب ما قام به العالم فلا يبقى أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد أهواءهم و انقلب شركا لجاء الله بالقيامة و أهلك العالم من فرط غضبه أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك و المعاصي لخرج عن الألوهية و لم يقدر أن يمسك السماوات و الأرض ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً﴾ أجرا على أداء الرسالة ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ رزقه في الدنيا و ثوابه في العقبى ﴿خَيْرٌ﴾ لسعته و دوامه ﴿وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ يعني القحط روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال أنشدك الله و الرحم أ لست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قتلت الآباء بالسيف و الأبناء بالجوع فنزلت ﴿وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ يعني القتل يوم بدر ﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يعني الجوع فإنه أشد من القتل و الأسر ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ملكه غاية ما يمكن و قيل خزائنه ﴿وَ هُوَ يُجِيرُ﴾ يغيث من يشاء و يحرسه ﴿وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ و لا يغاث أحد و لا يمنع منه و تعديته بعلى لتضمين معنى النصرة ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ﴾ أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه و استبد به و امتاز ملكه عن ملك الآخرين و وقع بينهم التحارب و التغالب كما هو حال ملوك الدنيا فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء و اللازم باطل بالإجماع و الاستقراء و قيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ قيل نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه و بين رجل من اليهود حكومة فدعاه اليهودي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)و دعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف و حكى البلخي أنه كانت بين علي(عليه السلام)و عثمان منازعة في أرض اشتراها من علي(عليه السلام)فخرجت فيها أحجار و أراد ردها بالعيب فلم يأخذها فقال بيني و بينك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال الحكم بن أبي العاص إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له فلا تحاكمه إليه فنزلت الآيات و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. أو قريب منه ﴿وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُ﴾ أي و إن علموا أن الحق يقع لهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾ أي إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)﴿مُذْعِنِينَ﴾ مسرعين طائعين ﴿أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي شك في نبوتك و نفاق ﴿أَمِ ارْتابُوا﴾ في عدلك أي رأوا منك ما رابهم لأجله أمرك. و …
بحار الأنوار — كتاب الاحتجاج · احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن الكريم